الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 305
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ عيسى وقد أرعد سُبْحانَكَ تنزيها لك عمّا لا يليق بك من الشريك وغيره ما يَكُونُ ما ينبغي لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ خبر ليس، ولي للتبيين وقال بمعنى يقول كونها بمعنى إذا أهون من قول أبي عبيد أنها زائدة، لأن زيادة الأسماء ليس بالسهلة اهـ.
قوله: (توبيخا لقومه) أشار به إلى جواب سؤال صورته ما وجه سؤال اللّه لعيسى هذا السؤال مع علمه عز وجل بأنه لم يقله اهـ كرخي.
قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله أي: متجها وجاوزين اللّه أو بمحذوف هو صفة الإلهين أي: كائنين من دونه تعالى، وإيّا ما كان، فالمراد اتخاذها بطريق اشراكهما معه سبحانه، كما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا[البقرة:
165]وقوله عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18] وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ تعالى [يونس: 18] إلى قوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18] إذ به يتأنى التبوبيخ والتقريع والتبكيت، ومن توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم لم يخلقها اللّه تعالى، بل هما خلقاها، فصح أنهما اتخذوها في حق بعض الأشياء إلهين مستقلين، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحل وأما من تعمق، فقال: إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ولم يعبده تعالى، فقد غفل عما يجديه واشتغل بما لا يعنيه كدأب من قبله، فإن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمهم بضرب من التأويل اهـ أبو السعود.
قوله: (و قد أرعد) قال أبو روق: إذا سمع عيسى عليه السّلام هذا الخطاب وهو قوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه ارتعدت مفاصله وتفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم اهـ خازن.
قوله: تنزيها لك أشار به إلى أن اتخاذهما إلهين تشريك لهما معك في الألوهية لا إفرادهما بذلك إذ لا شبهة في ألوهيتك وأنت منزه عن الشريك. فضلا أن يتخذ إلهان دونك على ما يشعر به ظاهر العبارة، نبه عليه الشيخ سعد الدين التفتازاني اهـ كرخي.
قوله: أَنْ أَقُولَ في محل رفع لأنه اسم يكون، والخبر في الجار قبله أي ما ينبغي لي قوله، وما يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب، فإن ما منصوبة بأقول نصب المفعول به، لأنها متضمنة لجملة فهو نظير. قلت: كلام وعلى هذا فلا يحتاج إلى أن يؤول أقول: بمعنى ادعى أو اذكر كما فعله أبو البقاء، وفي ليس ضمير يعود على ما هو اسمها وفي خبرها وجهان، أحدهما: أنه لي أي ما ليس مستقرا لي وثابتا. وأما بحق على هذا ففيه ثلاثة أوجه ذكر أبو البقاء منها وجهين، أحدهما: أنه حال من الضمير في لي. والثاني: أن يكون مفعولا تقديره ما ليس يثبت لي بسبب حق، فالباء تتعلق بالفعل المحذوف لا بنفس الجار، لأن المعاني الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 20