الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 306
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما أخفيه فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي ما تخفيه من معلوماتك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وهو أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ لا تعمل في المفعول به. والوجه الثاني: في خبر ليس أنه بحق، وعلى هذا ففي لي ثلاثة أوجه، أحدها: أنه تبين كما في قوله سقيا لك أي فيتعلق بمحذوف تقديره أعني لي، والثاني: أنه حال من بحق لأنه لو تأخر لكان صفة له، والثالث: أنه متعلق بنفس حق لأن الباء زائدة وحق بمعنى مستحق أي ما ليس مستحقا لي اهـ سمين.
قوله: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ كنت وإن كانت ماضية في اللفظ، فهي مستقلة في المعنى والتقدير أن تصح دعواي لما ذكره، وقدره الفارسي بقوله أن أكن الآن قلته فيما مضى، لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل، وقوله: فقد علمته أي فقد تبين وظهر علمك به كقوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: 90] اهـ سمين.
قوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي هذه لا يجوز أن تكون عرفانية، لأن العرفان كما قدمته يستدعي سبق جهل أو يقترن به على معرفة الذات دون أحوالها حسبما قاله الناس، فالمفعول الثاني محذوف أي تعلم ما في نفسي كائنا وموجودا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء. وأما ولا أعلم ما في نفسك، فهي وإن كان يجوز فيها أن تكون عرفانية إلا أنها لما صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن تكون مثلها. والمراد بالنفس هنا على ما قاله الزجاج أنها تطلق ويراد به حقيقة الشيء، والمعنى قوله: تعلم ما نفسي واضح، والمعنى تعلم ما أخفيه من سري وغيبتي أي ما غاب ولم أظهره ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه، ففي النفس مقابلة وازدواج، وهذا منتزع من قول ابن عباس وعليه حام الزمخشري، فإنه قال: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وأتى بقوله: ما في نفسك على جهة المقابلة والمشاكلة، لقوله: ما في نفسي فهو كقوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: 54] وكقوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 14] اهـ سمين.
قوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يدل بمنطوقه على أنه تعالى يعلم الغيب فيكون مقررا لقوله تعلم ما في نفسي، ويدل بمفهومه على أنه لا يعلم الغيب غيره فيكون مقررا لقوله ولا أعلم ما في نفسك ودل بتصدير الجملة بأن وتوسط ضمير الفصل وبناء المبالغة والجمع المعرف باللام أن شيئا لا يعزب عن علمه البتة، كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.
قوله: إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ هذا استثناء مفرغ فإن ما منصوبة بالقول لأنها وما في حيزها في تأويل مقول، وقدر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية، وما يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة اهـ سمين. فائدة: حيث وقعت ما قبل ليس أو لم أو لا أو بعد إلا فهي موصولة نحو: ما ليس لي بحق ما لم تعلم ما لا تعلمون إلا ما علمتنا، وحيث وقعت بعد كاف التشبيه، فهي مصدرية، حيث وقعت بعد الباء، فإنها تحتملهما نحو بما كانوا يظلمون، وحيث وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر احتملت الموصولية والاستفهامية نحو: ما تبدون وما كنتم تكتمون ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ولتنظر نفس ما قدمت لغد وحيث وقعت في القرآن قبل إلا فهي نافية إلا في ثلاثة عشر موضعا مما آتيتوهن إلا أن يأتين ما نكح من النساء إلا ما قد سلف وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، ولا أخاف ما