الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 307
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا رقيبا أمنعهم مما يقولون ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني بالرفع إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ الحفيظ لأعمالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك شَهِيدٌ (117) مطلع عالم به
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أي من أقام على الكفر منهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي لمن آمن منهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (118) في صنعه
قالَ اللَّهُ هذا أي تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه إلا موضعي هود من قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: 107] فهي فيهما مصدرية فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا يأكلن ما قدمتم إلا قليلا مما تحصنون، وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا اللّه وما خلقنا السموات والأرض وما بينها إلا بالحق حيث كان قاله في الاتقان اهـ كرخي.
قوله: (و هو) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أشار به إلى أن الاستثناء مفرغ، وأن أن مصدرية محلها رفع بإضمار هو على أنه تفسير لما أمرتني به، يوافقه قول القاضي: ولا يجوز أن تكون أن مفسرة لأن الأمر منه إلى اللّه تعالى، وهو لا يقول اعبدوا اللّه ربي وربكم اهـ.
وتعقب بأنه يجوز أن عيسى نقل معنى كلام اللّه بهذه العبارة كأنه قال: ما قلت لهم شيئا سوى قولك لي قل لهم أن اعبدوا اللّه ربي وربكم وضع القول موضع الأمر نزولا على قضية الأدب الحسن كي لا يجعل نفسه وربه معا آمرين اهـ كرخي.
قوله: شَهِيدًا خبر ثان وعليهم متعلق به، وما مصدرية ظرفية أي فتقدر بمصدر مضاف إلى زمان ودام صلتها، ويجوز فيها التمام والنقصان، فإن كانت تامة كان معناها الإقامة، ويكون فيهم متعلقا بها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، والمعنى وكنت عليهم شهيدا مدة إقامتي فيهم فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذ متصرفة، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضي، ولم تكتف بمرفوع، فيكون فيهم في محل نصب خبرا لها، والتقدير مدة دوامي مستقرا فيهم، وقد تقدم أنه يقال دام يدام كخاف يخاف اهـ سمين.
قوله: (قبضتني بالرفع إلى السماء) أي أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء والتوفي يستعمل في أخذ الشيء وافيا أي كاملا والموت نوع منه. قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: 42] اهـ أبو السعود، وهذا جواب عن سؤال هو أن عيسى حي في السماء، فكيف قال: فلما توفيتني مع أن السؤال إنما يتوجه على قول من يقول إن السؤال والجواب وجدا يوم رفعه إلى السماء، وأما من قال أنهما يكونان يوم القيامة وعليه جرى الشيخ المصنف كالجمهور فلا إشكال اهـ كرخي.
قوله: (الحفيظ لأعمالهم) أي والمراقب لأحوالهم اهـ كرخي.
قوله: (لا اعتراض عليك) هذا إشارة إلى الجواب في نفس الأمر وقوله: فإنهم الخ تعليل له اهـ شيخنا.
قوله: (أي لمن آمن منهم) أي فلا يرد أن يقال كيف جاز لعيسى عليه السّلام أن يقول وإن تغفر