فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 317
التفات عن الغيبة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ المطر عَلَيْهِمْ مِدْرارًا متتابعا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ تحت مساكنهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بتكذيبهم الأنبياء وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
وَلَوْ نَزَّلْنا حينئذ صفة لمصدر محذوف، والتقدير التمكين الذي لم نمكن لكم والعائد محذوف أي الذي لم نمكنه لكم. والثاني: أن تكون مفعولا بها لكن على المعنى، لأن معنى مكناهم أعطيناهم ما لم نعطكم، ذكره أبو البقاء. قال الشيخ: هذا تضمين، والتضمين لا ينقاس. الثالث: أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها، والعائد محذوف أي شيئا لم نمكنه لكم، ذكره أبو البقاء أيضا. قال الشيخ: وهذا أقرب إلى الصواب اهـ سمين.
قوله: (فيه التفات) أي في الخطاب في لكم الذي هو خطاب لأهل مكة. وقوله: (عن الغيبة) أي التي يقتضيها السياق في قوله: أَلَمْ يَرَوْا فلو قال: ما لم نمكن لهم لكان جاريا على الظاهر، والمعنى مكنا القرون الماضية ما لم نمكن لأهل مكة اهـ شيخنا.
والالتفات له فوائد منها: تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فائدته العامة. ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عنايته وخصصه بالمواجهة اهـ كرخي.
قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ إن جعلنا جعل تصييرية كان تجري مفعولا ثانيا، وإن جعلناها اتخاذية كان حالا اهـ سمين.
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب، فما أغنت عنهم تلك العدد والأسباب، فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار. وأما قوله تعالى: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قرنا آخرين بدلا من الهالكين، فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه. وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى اهـ أبو السعود.
قوله: آخَرِينَ صفة لقرنا لأنه اسم جمع كقوم ورهط، فلذلك اعتبر معناه. والقرن لفظ يقع على معان كثيرة، فيطلق على الجماعة من الناس سموا بذلك لاقترانهم في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السّلام «خير القرون قرني» ويطلق على المدة من الزمان أيضا. وقيل: إطلاقه على الناس والزمان بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز. والراجح الثاني، لأن المجاز خير من الاشتراك. وإذا قلنا بالراجح فالأظهر أن الحقيقة هي القوم لأن غالب ما يطلق عليهم والغلبة مؤذنة بالأصالة غالبا، ثم اختلف الناس في كمية القرن حالة إطلاقه على الزمان، فالجمهور أنه مائة سنة واستدلوا بقوله عليه السّلام لعبد اللّه بن بشر المازني «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة. وقيل: مائة وعشرون، قاله إياس بن معاوية وزرارة بن أبي أوفى. وقيل: ثمانون، نقله صالح عن ابن عباس. وقيل: سبعون، قاله الفراء:
وقيل: ستون لقوله عليه السّلام: «معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» . وقيل: أربعون، حكاه محمد بن سيرين يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وكذلك الزهراوي يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: ثلاثون، حكاه