الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 452
العشر أو نصفه وَلا تُسْرِفُوا بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) المتجاوزين ما حد لهم
وَأنشأ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه أكله. وعلى هذا القول فهل هذا الأمر أمر وجوب أو ندب فيه قولان، أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخا بآية الزكاة ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» والقول الثاني: أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، فإن قلت: فعلى القول الأول كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل، وإنما يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف؟ قلت: معناه قدروا إخراج الواجب منه يوم حصاده فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف، ولأن النخل يجب إخراج الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه، إلا أنه لا يمكن إخراج الحق منه إلا بعد التصفية. وقيل: معناه وَآتُوا حَقَّهُ الذي وجب يوم حصاده بعد التصفية. وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه، وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه، لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في مالكه اهـ خازن.
قوله: (بالفتح والكسر) عبار السمين: قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء والباقون بكسرها، وهما لغتان في المصدر، كقولهم: جذاذ وجذاذ وقطاف وقطاف. قال سيبويه: جاؤوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه فعال يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر، فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، والحصد ليس فيه دلالة على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحصاد والحصاد اهـ.
قوله: وَلا تُسْرِفُوا (بإعطاء كله) عبارة الخازن: وَلا تُسْرِفُوا الخ الإسراف: تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل: السرف تجاوز ما حد لك، وسرف المال إنفاقه في غير منفعة، ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة اللّه فهو سرف وإن كان قليلا. قال ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل اللّه هذه الآية وَلا تُسْرِفُوا. قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء.
وقال الزجاج: وقال الزجاج: وعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد صح في الحديث: «إبدأ بمن تعول» . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة، فتأويل الآية على هذا القول لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد، إلا أن الأول في البذل والإعطاء والثاني في الإمساك والبخل. وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام، وهذا القول أيضا يرجع إلى مجاوزة الحد، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له. وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية اللّه عز وجل اهـ.
قوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ الخ شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقوّلوا على اللّه في شأنها بالتحريم والتحليل اهـ أبو السعود.
قوله: حَمُولَةً وَفَرْشًا منصوبان على أنهما نسق على جنات، أي: وأنشأنا من الأنعام حمولة،