وقد حُكِي أنَّه كان في بني إسرائيل رجلٌ يؤذي النَّاس فاشتكوا به إلى نبيِّ ذلك الزَّمان فدعا عليه، ثمَّ أخبرهم أنَّه يصيبه بلاء في يوم كذا وكذا وكان الرجل قصَّارًا، فلمَّا كان في ذلك اليوم المعين فإذا بالرجل راجعًا إلى البلد وعلى رأسه رزمة ثياب، فأتوا لنبيِّهم فقالوا له: ها هو اليوم قد رجع، لم يُصِبْه شيء، فدعا النَّبيُّ به فأُحضِر، فسأله ما فعلت اليوم؟ فأخبره أنَّه كان معه رغيفان أخرجهما لغدائِه ثمَّ عَرَض له مسكين يسأله فأعطاه الرَّغيفين، فأمره النَّبيُّ أن يُنزِل تلك الرزمة التي على رأسه وأَخَذ ما فيها مِن الثياب فَفُتِحَتْ فإذا بحيَّة عظيمة ملجَمَة بلجام مِن نار فقال النَّبيُّ عليه السَّلام: (( هذا البلاءُ كانَ أُرْسِلَ عليهِ، وهذا اللِّجَامُ الْمُطَوَّقُ بها هي الصدقةُ التي تصدَّقَ بها ) ).
وقد أبقى الله تعالى هذا الخير لهذه الأمَّة بإخبار الشَّارع عليه السَّلام وهو ما تقدَّم، وقد وصف عليه السَّلام الفتن ووصف الدَّواء لها وكيفية النَّجاة منها فقال: (( الجَؤوا إِلَى الإيمانِ والأَعْمَالِ الصَّالحاتِ ) ).
وأشدُّ مِن هذا كلِّه أن قومًا منهم جهلوا هذا الأمر وجعلوا الرشا المذكورة مِن باب المداراة وهذا منهم جهل بالمداراة ما هي، وإنَّما المداراة الممدوحة في الشَّرع بذل الدنيا في صلاح الدِّين مثل ما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يفعل حين كان يعطي المؤلَّفة قلوبُهم الأموال الطائلة، حتى لقد كان عليه السَّلام يُعطي لبعضهم واديًا مِن غنم، وواديًا من بقر حتى حَبَّب إليهم الإيمان بالضرورة لكثرة عطاياه لهم، فكانوا يرجعون إلى قبائلهم وأهليهم فيقولون لهم: أسلِموا فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاء مَن لا يخاف الفقر.