وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بقيَّةُ عُمُرِ المؤمنِ لا ثَمَنَ لها يُصْلِحُ فِيْهِ ما فَسَد ) )، فإذا كان وقت الفتن خيف على الإيمان في الغالب، فبطن الأرض إذ ذاك خير للمؤمن فإنَّه يقبض على الإيمان، وهي النعمة العظمى، منَّ الله بها علينا بفضله، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفتن: (( يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ) ). فإذا جاء شيء يخاف به زوال الإيمان، فالموت إذ ذاك مع الإيمان خير مِن الحياة التي يخاف معها زوال الإيمان.
وأمَّا قول الخليفتين رضي الله عنهما فإنَّما طلبا الموت خيفة النقص، وأن يكون رجوعهم إلى مولاهم على أكمل الحالات التي سلكوا به ما قدَّمناه مِن قوله عليه السَّلام: (( أَمِتْنِي مَا كانَ الممَاتُ خيرًا لي ) )غير أنَّ العبارة اختلفت والمعنى واحد فلا تعارض بينهما.
وأمَّا قوله عليه السَّلام: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) فقد تقدَّم الكلام على ذلك في حديث: (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ) ).
وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على قوة رجاء المؤمنين في الله تعالى على أيِّ حالة كانوا، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أي: يعتب نفسه على ما وقع منه، ويندم ويتوب، لأنَّ الاستغفار لا يكون إلا بعد الندم، والندم كما قال صلى الله عليه وسلم توبة.
وَفِيْهِ دَلِيْلٌ لطريق القوم، لأنَّهم يقولون: ارجع إلى مولاك على أيِّ حالٍ كنتَ تجدْه بك رحيمًا،
وقد قال بعضهم: اجعل قلبك خزانة سِرِّك، ومولاك موضع شكواك.
قال بعضهم:
~ تقواك تقواك عمدة في رجاك ... ورجاك رجاك عمدة في تقواك
~فإنْ خليت منهما فمولاك مولاك ثم مولاك