الرحمنِ - كما تقدَّمَ - وهي مُحدِقةٌ بالسُّوَرِ ولها شَرافاتٌ وأبوابٌ إلى غيرِ ذلكَ، ممَّا قدْ عُلِم مِن صفتِها وعلوِّها، ورأى النارَ وهي في أسفلِ السافلين تحتَ البحرِ الأَعظمِ الذي عليهِ قرارُ الأرضِينِ - على ما قد عُلِمَ - ثم مع هذا البعدِ العظيمِ والكثافَةِ العُظمى لم يَحجِبْهُ شيءٌ مِن ذلكَ عن الرؤيةِ والمُعايَنَةِ.
الوجهُ العاشرُ: فيه دليلٌ على عِظَمِ قُدرةِ اللهِ تعالى وأنَّها لا تُحصَرُ بالعقلِ ولا تجري على قياسٍ؛ لأنه عليهِ السلامُ قد رأى الجنةَ مِن هنا وعايَنَها، وليلةَ أُسرِيَ بهِ لم يرَها، وإنَّما رأَى سِدرَةَ المُنتَهى، وهي ليستْ في الجنةِ - ـ على ما سيأتي بيانُهُ في حديثِ المِعراجِ، ورأى النَّهرَينِ اللذينِ ينبُعانِ من أصلها ويمضيانِ إلى الجنةِ - وكل هذا يأتي في حديثِ المعراجِ إن شاءَ اللهُ - فكانَ هذا أدلَّ دليلٍ على أنَّ القدرةَ تحجبُ ما شاءتْ كانَ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ، وتُبدِي ما شاءَتْ كانَ بحجابٍ أو بغيرِ حجابٍ.
الوجهُ الحادي عشرَ: يترتَّبُ على فائدةِ الإخبارِ بهذا تركُ الالتفاتِ للعوائدِ وتقويةِ الإيمانِ، وتركُ الهمِّ والفرحِ لإصابةِ شيءٍ أو ذهابِهِ، إذا تحقَّقَ المرءُ بعظمِ القدرةِ التي هذا صادرٌ عنها، ينشرح صدرُ المؤمنِ إذْ ذاكَ للتعلُّقِ بجَنابِ مولاهُ، وعدمِ الالتفاتِ إلى ما سِواهُ، وتكونُ يدُه فيما يتصرفُ فيه مِن الأشياءِ إبقاءً لأثرِ الحكمةِ لا تعويلَ عليها.