وأمَّا ما ادَّعوه مِن (التَّجسيم) وتعلَّقوا فيه بظواهر آيٍ وأحاديث، فليس فيه حجَّة بدليل ما يتفصَّل به إن شاء الله تعالى. فمن جملة ما تعلَّقوا بظاهره بحسب نظرهم الفاسد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( حتى يَضَعَ الجبَّارُ فِيْهَا قَدَمَهُ ) )وفي رواية: (( سَاقَهُ ) )، قال علماء أهل السنَّة: في معنى هذا اللفظ عشرة أوجه، ونحن نذكر بعضها لكي يتبيَّن فساد ما ذهبوا إليه بها، وقد ذكرها - أبو البقاء - في كتابه وغيره من الفقهاء.
فمِن جملة ما قالوا فيه: وهو أظهرها وأرجحها أنَّهم نقلوا عن أهل اللغة أنَّ (الكافر) عندهم يسمَّى (قَدَمًا) ، فإذا كانت هذه اللغة فكيف يعرجون عنها إلى غيرها؟! كفى بهذا الوجه الواحد ردًا عليهم.
ومنهم مَن قال: كما أنَّه سُمِّي الحجر الأسود (يمين الله) ، وهو حجر مَرْئيٌّ مشاهَد لا خفاء فيه، لكن لمَّا أنْ كان مَن لَمَسَ الحجر رُحِمَ وشهد يوم القيامة لِلامسِهِ على ما جاء الخبر به سُمِّيَ (يمين الله) لكونِه رحمة، فكذلك لمَّا كان ذلك موضع الغضب سمِّي (قَدَمًا) ، فلو لم يكن نقل اللغة وكان الموضع يحتمل عشرة أوجه مثل هذا الذي ذكرناه، وما أشبهه وتأويلهم الفاسد أحدها على زعمهم كيف يسوغ أن يجزم بواحد دون التسعة مع أنَّه هو أضعفُها؟ لأنَّه ينافي التَّنزيه ويخصِّص عموم قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، وكيف يخصَّص نصٌّ بمحتمل كفى بهذا دليلًا في الردِّ عليهم، فكيف واللغة لا تحوج إلى ذلك؟
ثمَّ مع ذلك يَرِدُ عليهم قوله تعالى عن المؤمنين: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] ،
وقد وقع الإجماع مِن أهل العقل والنقل أنَّ ذلك بالمعنى لا على ظاهره، فإنْ هم تأوَّلوه كما تأوَّل الكافَّة لزمهم أن يتأوَّلوا الآخر ويعتقدوه كما فعل الكافَّة، وإنْ هم حملوه على ظاهره وقالوا: بأنَّ (الصدق) جسد مجَسَّد وقدمه عند الحق سبحانه وباقيه عند المؤمنين، فقائل هذا لا خفاء في حمقِه، فالبحثُ معه قد سقط.
والكلام معهم على رواية (السَّاق) مثله أيضًا، لأنَّ السَّاق ينطلق في اللغة على أشياء غير واحدة، لأنَّهم يقولون: ساقٌ مِن جَراد، وساق مِن قوم، ويقولون: (السَّاق) ويريدون الجَّارحة، والأظهر في هذا الموضع واللائق به أن يكون المراد بالسَّاق (عددًا مِن الكُفَّار) ، فإذا كمُلوا فيها يقولون: قَطْ قَطْ، فبان فساد ما ذهبوا له بما ذكرناه وفيه كفاية هذا البحث معهم مِن طريق النقل.