فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 415

ومثالُه الذي يعمل في الحلفا أو في الفاعل وما أشبههما إن مدَّ يده للخَزِّ أو الحرير أو الرَّفيع مِن الكَتَّان أتلفه أو أهلكه مرَّة واحدة، فكيف يفعل فيه شيئًا يكون فيه فائدة؟ وكذلك الآلة التي تُعْمَلُ بها الأشياء، لأنَّ الآلة التي يُعمَل بها الرَّفيع لا يُعمَل بها الكثيف، ومثال منشار المِشط لا يتأتَّى أن يُنْشَر به الخشبة، وكذلك جميع الآلات لا يجزئ بعضها عن بعض، لا يجزئ الكثيف عن الرَّفيع، ولا الرَّفيع عن الكثيف، وقد شاهدنا في المخلوقات مثل البعوضة والفيل إلى غير ذلك مِن اللطيف والكثيف مع كثرتها، فكثرتها مع اختلاف أنواعها في قِصر الزَّمن المذكور أدلُّ دليل على ما ذكرناه، وهو أنَّ خالقها اخترعها بقدرتِه دون جارحة ولا آلة.

ولذلك جعلها عزَّ وجلَّ دليلًا لإبراهيم عليه السَّلام في عِظم اليقين فقال له عزَّ مِن قائل: {وَكَذَلِكَ نُرِيْ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ،لمَّا أنْ أراد تعالى مِن خليله عليه السَّلام قوَّة اليقين ألهمَه إلى النَّظر بالتوفيق في الملكوت فبان له ما ذكرناه فكان مِن الموقنين، يشهد لذلك قولُه تعالى: {شَهِدَ اللهُ أنَّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ والْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 18] . وشهادَتُه تعالى لنفسه هي ما تضمَّنَه مدلولُ مخلوقاتِه بوضعها على أنَّه جلَّ جلاله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] نحو ما تقدَّم.

فالبحث مع هذه الثَّلاث فِرَق على ما تقدَّم والتَّبيينُ لتخصيصهم ذلك العموم يتبيَّن لك فساد ما ذهب إليه غيرهم مِن الاثنين والسبعين فرقة وكيف تخصيصهم للَّفظ العام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت