فهرس الكتاب
وأمَّا ما ذكرناه مِن تخصيص البعض أوَّلًا فهو بما يَرِدُ عليهم مِن الآيِ والأحاديث، وهي جملة تنصُّ بالردِّ عليهم، فمِن جملة ما يَرِدُ عليهم ما روي: أنَّ اليهود لمَّا أنْ أرادوا أن يختبروا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هل هو نبيٌّ أم لا؟ أتوه بمسائل جملة يسألونه عنها، ومِن جملتها (الرُّوح) ، فقالوا: إن أخبركم بجملة المسائل وبالرُّوح فاعلموا أنَّه ليس بنبيٍّ، وإن سكت عن الرُّوح وأجاب عن الغير فهو نبيٌّ حقًا، فأتوه فسألوه فأجابهم عليه السَّلام على الكلِّ عدا الرُّوح فلم يَدْرِ ما يجاوب عنه فنزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّ أحدًا لا يعرف الرُّوح غيره، فلمَّا أن تلا عليهم الآية قَبَّلُوا قَدَمَيْهِ وقالوا: نشهد أنَّك نبيٌّ؛ لَأنَّ أحدًا مِن الأنبياء لا يعرف الرُّوح.
ثمَّ بعد هذه الآية الواضحة وهذا الأثر البيِّن أتى بعض أهل هذا العلم وادَّعوا معرفة الرُّوح، وقالوا: هو جوهر والحياة عَرَض عنه، فادَّعوا أنَّهم يعرفون ما أخبر عزَّ وجلَّ أنَّه لا يعلمه غيره، كفى بهذا ردًَّا عليهم.
ومنها قوله عزَّ وجلَّ: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] . وهم قد قالوا: بأنَّهم يعلمون العالَمَ كلَّه في
قولهم بأنَّ جميع المخلوقات جواهر وأعراض والآي في هذا كثير، وفيما أشرنا كفاية لمن عَقَل.
وأمَّا ما يُرَدُّ عليهم مِن السنَّة فمنها قوله عليه السَّلام في حجَّة الوداع لأصحابه: (( اللهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ؟ ) )فقالوا: نعم. فرفع رأسه إلى السَّماء وقال: (( اللهُمَّ اشْهَدْ ) ).