فهرس الكتاب
قال الشَّيخ أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: قد رجع كثير مِن أئمة المتكلِّمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة وآماد بعيدة لَمَّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آفاته وباطن نزهاته، فمنهم إمام المتكلِّمين: أبو المعالي، فقد حكى عنه الثِّقات أنَّه قال: لقد خلَّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصتُ في الذي نَهَوا عنه، كلُّ ذلك رغبة في طلب الحقِّ وهروبًا مِن التَّقليد، والآن قد رجعت عن الكُلِّ إلى كلمة الحقِّ، عليكم بدِين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرَّحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الجويني، وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أنَّ الكلام يبلغ بي ما بلغت ما اشتغلت به. وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي، فلمَّا حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم منِّي؟ قالوا: لا. قال: فَتَتَهِمُونَنِي؟ قالوا: لا. قال: فإنِّي أُوْصِيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإنِّي رأيت الحقَّ معهم. وقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثمَّ عُدْتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وقال الشَّهْرَسْتَانِيُّ صاحب «نهاية الإقدام في علم الكلام» : عليكم بدين العجائز، فأنَّه أسنى الجوائز.
قال الشيخ: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذَمُّ به إلَّا مسألتان هما مِن مبادئه لكان حقيقًا بالذمِّ وجديرًا بالترك.
أحدهما: قول طائفة منهم: أنَّ أول الواجبات الشَّكُّ في الله تعالى.