فإن قلنا بأنَّه ممَّا كُلِّفْنَا به شرعًا والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُبَيِّنه ولا الخلفاء فيلزم على هذا ما لزم في الكلام قبل وهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] . وقوله عليه السَّلام: (( اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ) )والقول بأنَّ التَّكليف واقع به يَردُّ معنى هذين، وهو أن يكون الدِّين حين نزول هذه الآية لم يَكمُل وأنْ يكون النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مات ولم يبلِّغ، والبحث في هذا كالبحث فيما تقدَّم سواء.
وإن قلنا: إنَّه ممَّا لم نُكَلَّف به شرعًا فلا يخلو أنْ يكون الكلام فيه جائزًا أو ممنوعًا، فإن قلنا: بالمنع فلا كلام ويَسَعُنا ما وَسِع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم والخلفاء والصَّحابة والسَّلف؛ لأنَّهم لم يأخذوا فيه أصلًا، ومثل هذا الكلام في البَسْمَلة: هل هو الاسم المسمَّى أو الاسم غير المسمَّى؟ قد تكلَّم فيه بعض المتأخِّرين فقالت طائفة: بأنَّ (الاسم) هو المسمَّى، وقالت طائفة: بأنَّ (الاسم) غير المسمَّى، ثمَّ أتى الفضلاء مِن أهل السنَّة المتَّبعين فقالوا: إنَّ مَن تقدَّم لم يتكلَّموا في ذلك فيسعنا فيه ما وَسِعهم ولم يجاوبوا في ذلك بأكثر.
وإن قلنا: بجواز الأخذ فيه فلا يخلو أن يقولوا بجوازه مطلقًا، أو لا بُدَّ فيه مِن قيدٍ، فإن قلنا: بالجواز مطلقًا فممنوع، وإن قلنا: بالتَّقييد فسائغ، والتَّقييد هو أن يكون الكلام فيه لا يُخِلُّ بقاعدة مِن قواعد اعتقاد أهل السنَّة ولا بالقاعدة الكليَّة التي اجتمع عليها أهل العقل.