فأمَّا القاعدة الكليَّة التي أجمع عليها أهل العقل فهي أنَّ خالق المخلوقات {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، وأنَّ صفاتِه القائمةَ بذاتِه الجليلة ليس كمثلها شيء، فطالب الكيفيَّة في هذه الصِّفة التي هي (الكلام) هل هو حالٌّ أو غير حالٍّ؟ يلزمه أن يطلب كيفية صفة القدرة القائمة بالذَّات الجليلة التي جميع المخلوقات صادرة عنها أَعني عن صفة القدرة كيف اتصالها؟ أعني القدرة بالمقدور عليه الذي هو جميع المخلوقات عند بروزها مِن العَدَم إلى الوجود.
فإن ادَّعى معرفة الكيفيَّة هنا فذلك محال بالإجماع مِن أهل هذا العلم وغيرهم. لأنَّهم الكل قد أقرُّوا أنَّ جميع المخلوقات صادرة عن القدرة وعجزوا عن معرفة كيفية اتصالها بالمقدور عليه، فلمَّا كان العجز هنا واجبًا، فكذلك في الأخرى واجبًا - أعني الكلام هذه مثل هذه - لأنَّ هذه صفة قائمة بالذَّات الجليلة، وهذه صفة قائمة بالذَّات الجليلة، وهذه صادرة عنها وهذه صادرة عنها، فوجب الإيمان بهذه كما وجب الإيمان بهذه، ووجب العجز عن معرفة الكيفيَّة في هذه كما وجب العجز عن معرفة كيفيَّة هذه وكذلك جميع الصِّفات الكيفيَّة فيها ممنوعة كما هي في الذَّات؛ لأنَّ الكيفية إنَّما تكون في البشر وصفاتهم وفي المحدَثات وصفاتها على ما أُجْرِيت عليه.