فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 415

وهنا بحثٌ في قوله عليه السلام: (مَا العَمَلُ) الألف واللام هنا هل هي للجنس فيكون فيها التساوي بين المفروضات والمندوبات على اختلافها؟ أو هي للعهد وهي أعمال مخصوصة؟

أمَّا صيغةُ اللفظ فمحتملةٌ للوجهين معًا فيكون فضلُ الفرائض فيها أفضلَ من غيرها كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلام في صلاة الصبح: (( مَنْ شَهِدَهَا في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ بِهَا لَيْلَةِ ) )، وقال في العشاء: (( مَنْ شَهِدَهَا في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ بِهَا نصفَ ليلةٍ ) )، فترى هذه أُدِّيَت في جماعة والأخرى كذلك وبينهما قدر النصف في الأجر، وما ذاك إلَّا لِمَا فيها - أعني صلاة الصبح - من كثرة المشقَّة زائدًا على العتمة؛ لأنَّ أكثرَ الناس في الصبح على حالة جنابة ونوم وغفلة أكثر ممَّا في العتمة، فيكون أداءُ الفرائض في هذه الأيَّام مثل ذلك سواءً لِمَا فيها من كثرة الغفلة والجنابة والأكل والراحة فتكون بهذا النظر أفضل من غيرها. وذلك مثلُ الجهاد؛ لأنَّ الجهادَ فيه فرضٌ وتطوُّعٌ كما هي الأعمال في هذه الأيَّام فيها فرضٌ وتطوُّعٌ.

واحتُمِلَ أن تكون للعهد وهي إشارةٌ إلى الأحاديث التي ذكرنا أوَّلًا من أنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله تعالى، والأعمُّ أَولى من أجل كثرة الفائدة، فيكون ما أوردناه أوَّلًا من تلك الأحاديث المعنى فيها: أنَّ الذي يعمل في هذه الأيَّام بعد الفرائض أولى ما فيها ما ذكر عليه الصَّلاةُ والسَّلام من إراقة الدماء والذكر والصدقة ولا تمنع باقي الأعمال،

ومما يقوِّي ما قدَّمناه قوله عليه السلام: (مَا عملَ آدَمِيٌّ أَفْضَلَ) فجاء بها في باب الأفضليَّة، وما جِيءَ به في باب الأفضليَّة جاز عمل غيره معه وإن لم يقدر عليه فلا يخلِي نفسه من الخير الزائد على الفرائض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت