وفيه دليلٌ على فضيلة الجهاد يُؤخَذُ ذلك من قول الصحابة رضي الله عنهم: (ولَا الجِهَادُ؟) فلولا أنَّ ذلك الحكم قد تقرَّر منه صلَّى الله عليه وسلَّم ما سألوه عن هذا النوع وقد جاء فيه عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلام أنَّه قال: (( أَعْمَالُ البِرِّ في الجِهَادِ كَبَزْقَةٍ في بحرٍ ) ).
وهنا بحثٌ وهو لِمَ نَوَّعَ الجهاد وجعل ما هو محذورٌ شرعًا في غيره أرفع الأشياء في الجهاد وهو قوله: (( خرجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ) )وهذا ممنوع في غيره؛ لأنَّ المخاطرة ممنوعة ثمَّ لم يجعله أفضل إلابعد تحقيق الهلكة بقوله: (( فَلَمْ يرجعْ بِشَيءٍ ) )وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ؟
فالجواب أن نقول: كلُّ مَنْ زاد في ما أُمِرَ به من ذلك الشيء نفسه من نوع ما أُمِرَ به حصلت له زيادة المِدْحة، فإن كان من غير ذلك النوع زيادته لم يحصل له في ذلك النوع زيادة مدحة، مثال ذلك (التوكُّل) هو من شروط الإيمان وما جاءت المِدحةُ إلَّا على الزيادة فيه بقوله: (( حَقَّ تَوَكُّلِهِ ) )وكذلك لمَّا كان الإيثار من خصال الإيمان لم تأتِ المدحة إلَّا على الزيادة فيه بقوله عزَّ وجلَّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
وهذا إذا تتبَّعته كثيرٌ، فلمَّا كانت مشروعيَّة القتال تُفضي إلى قتل النفس فزاد هذا المخاطر فيما شرع له بارتكاب المخاطرة حصلت له الفضيلة على غيره للمعنى الذي أشرنا إليه؛ لأنَّ تلك الزيادة في كلِّ موضعٍ أُمِرَ فيه بشيء دالَّةٌ على الإخلاص والصدق وهما أرفع الأعمال، وطلب مرضاة الرب بتوفية ما أُمِرَ والزيادة على زيادة في استدعاء الرضا كما قال موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84] .