التاسع: لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه الصَّلاة والسَّلام مزيدَ الإيمان ولم يرَ الإيمان الذي كان عنده أوَّلًا، لأنَّ الأنبياء والرسل عليهم السَّلام أقوى إيمانًا مِن جميع المؤمنين؟
و (الجواب عنه) : أنَّ نفس رؤية المزيد فيها مِن الحكمة وجوه:
فمنها: رؤية حقيقة الإيمان والحكمة جواهر حتَّى يتحقَّقها على ما هي عليه، وهذه مزية له عليه الصَّلاة والسَّلام خُصَّ بها.
ومنها: أنَّ المعاينة لذلك بشارة برفع المنزلة.
ومنها: أنَّ بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً حِسًّا ومعنى، فالحسِّي هو وضعه في القلب، والمعنوي هو ما يحصل مِن قوة الإيمان بسبب تحقيق رؤية المزيد.
ومنها: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لَمَّا أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيمانًا بحسب ما هو إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده مِن التصديق، ولَمَّا أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العُلوي وهو أقوى إيمانًا مِن هذا العالم، وهم مشاهِدون لأشياء لا يشاهدها أهل هذا العالم، فُعِل ذلك للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى حصل له الإيمان بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحسِّ والمعنى حتَّى كان أعلى ذلك العالم إيمانًا، يشهد لذلك قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17، 18] ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار إلا لِمَا قوي عنده مِن الإيمان والحكمة، فكان عليه الصَّلاة والسَّلام جديرًا بما خُصَّ به مِن الثناء والمدحة، وأوجه كثيرة مِن هذه المعاني تتعدَّد وفيما أشرنا إليه كفاية.