فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 415

ولا يتوهَّمْ متوهمٌ أنَّ ما ذكرناه هنا معارض لِمَا قدَّمناه مِن قَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ إِلَى اللهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا وَبَطْنُهُ جَائِعًا ) )لأنَّ بينهما فرق، وهو أنَّ ما أخبر به عليه الصَّلاة والسَّلام ممَّا تقدَّم حالُ أوصاف العبودية، لأنَّ العبد لا يقدر على أكثرَ مِن هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه في التراب تذلُّلًا لمولاه.

وأمَّا القرب والتداني فهو فيض الرُّبوبية، وفيض الرُّبوبية ليست مِن كسب العبودية حتَّى يوصف العبد بها فتلك خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويُذمَّ، وهذه خاصة بفيض الرُّبوبية لا مِدْحَةَ للعبد فيها.

ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرنا في أم القرآن وما تضمَّنت مِن درر العلوم الثاقبة، قال علي رضي الله عنه: لو شِئتُ أن أُوقِر سبعين بعيرًا مِن تفسير أم القرآن لفعلت، واعترافها مِن السورة يظهر في هذه الخمس الكنوزٍ التي أشرنا إليها.

بيان ذلك أنَّه إذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] يحتاج أن يُبَيِّن معنى الحمد وما يتعلَّق به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به مِن التنزيه،

ثمَّ يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على جميع أنواعه وأعداده، وقد قال عليه الصلاة والسَّلام: (( إنَّ للهِ سَبْعَةَ عَشَرَ ألفَ عَالَمًا، السَّمَواتُ السَّبعُ، والأَرضونَ السَّبْعُ وما فيهنَّ عالمٌ واحدٌ ) )وقد أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أنَّ في هَذِهِ الأرض ألفَ عالَمٍ، أربعمائة في البرِّ، وستمئة في البحر ) )فيحتاج إلى بيان ما أشرنا إليه كلَّه إذ اللفظ يحوي ذلك كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت