فهرس الكتاب
وأمَّا (التأنيس) : فلِمَا فيها مِن شَبَه الحال وهو ما ذكرناه مِن الأحوال الخمس، فالتجلِّي في الصلاة مقابله التجلي هناك، والترفيع مقابله الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات العظام، والإجابة هنا تقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في الشفاعة، والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين مِن الفرض الأَوَّل وهو الخمسون وإبقاء أجر الخمسين في الخمس، والقرب والتداني مقابله هناك {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} مع نفي التكييف والتحديد.
ولهذا المعنى قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُوْنُسَ بنِ مَتَّى ) )يعني بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله الإمام أبو المعالي لأنَّه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحسِّ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُسْرِي به إلى فوق السبع الطباق ويونس عليه الصَّلاة والسَّلام نُزِل به إلى قعر البحار، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ) )وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي ) )وقد اختُصَّ عليه الصَّلاة والسَّلام بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره مِن الأنبياء عليهم السَّلام، فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يَبْقَ أن يكون قَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونسَ بنِ مَتَّى ) )إلا بالنسبة إلى القرب مِن الله تعالى سبحانه والبعد.