فهرس الكتاب
فمحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام وإن أُسْرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس عليه الصَّلاة والسَّلام وإن نُزِل به لقعر البحار فهما بالنسبة إلى القرب والبعد مِن الله سبحانه على حدٍّ واحد، والمراد بِقَوْلِهِ عزَّ وجلَّ: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] أنَّه لو كان لله عزَّ وجلَّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منه بذلك القرب إشارة منه عزَّ وجلَّ إلى قرب نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام وتشريفه إيَّاه.
فتحصَّل مِن هذا أنَّ ليلة الاسراء كانت خيرًا خاصًا به عليه السَّلام، وفرض الصلاة فيها عليه وعلى أُمَّته مشترك بينه وبين أمته، وذلك مثل ما كان للخليل عليه الصَّلاة والسَّلام حين ابتُلِيَ بذبح ابنه ليُظهِر الله عزَّ وجلَّ بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك الأمر العظيم الذي لم يفعل مع غيره، ثم فُدي بالذِّبح العظيم وجُعِلت سُنَّة له عليه الصَّلاة والسَّلام ولأُمَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] ، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أُمِرْتُ بالذَّبْحِ وَهُوَ لَكُمْ سُنَّة ) )، فكان الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام في كل عيد يتجدَّد له أجر تلك المحنة بامتثال هذه المنَّة.
وجدير لمن تشبه بمقام الخُلَّة في امتثال هذه السُّنَّة أن يكون مسيره عليها إلى الجنَّة، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( تَنَافَسُوا فِي أَثْمَانِهَا فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ إِلَى الجَنَّةِ ) )فخصَّ الخليل وحدَه بتلك المحنة لعظيم قدره في الخُلَّة واشترك هو وغيره في الْمِنَّة التي هي شَبَهٌ بتلك المحنة، فكذلك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خُصَّ بهذه الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبهِ بها مِن رحمة.