(الثَّاني) : أن يكون المراد بذلك: الباطن والظَّاهر
فما بين الأيدي هو القلب، وكَنَى به عن الباطن وما بين الأرجل هو التَّخطي وهو فعل ظاهر قال الله تعالى في كتابه: {قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] .
(الثَّالث) : أن يكون المراد بما بين الأيدي: الحال والمراد بما بين الأرجل الماضي والمستقبل لأنَّ ما بين الأيدي حال، إذ إنَّه لا يحتاج فيه لحركة، وما بين الأرجل يكون مِن وجهين ماض أو مستقبل، لأنَّه لا يُتَأَتَّى إلَّا بالسَّعي، والسَّعي إمَّا أن يكون قد وقع أو يستأنف، فمنع عليه السَّلام هذه الثلاثة الأشياء وهي الماضي والمستقبل والحال.
(الرَّابع) : أن يكون المراد بما بين الأيدي: ما يكون مِن كسب العبد بافترائِه، والمراد بما بين الأرجل ما يكون مِن افتراء غيره، لأنَّ فائدة الأرجل كما تقدَّم ليس فيها إلَّا النَّقل والتَّخطي، فإذا وقع الاشتقاق جاز التأويل عليه مِن وجه ما، وقد يحتمل أن يكون المراد جميع ما ذكرناه، أو أكثر منه مع أنَّ ما ذكرناه هنا منصوص على منعِه في غير ما آية و غير ما حديث، فيجب الحذر عن كل ما تأوَّلناه هنا، فيكون هذا اللفظ مِن الشَّارع عليه السَّلام مِن بديع الفصاحة والبلاغة إذ إنَّه أتى بلفظ يسير يحوي معانيَ كثيرةً، وقد أجمل عليه السَّلام ذلك كلَّه وزاد عليه في حديث آخر حيث قال: (( اتَّقِ مَحَارِمَ اللهِ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاس ) ). وكلُّ ما ذكرناه مِن جملة المحارم.
الوجه السَّابع: قوله عليه السَّلام: (وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) . وهذا أيضًا مِن أفصح الكلام وأبدعه؛ لأنَّه عليه السَّلام جمع فيه جميع المعروفَ كلَّه شرعًا وعقلًا واجبًا وندبًا، فكان ذلك تصديقًا
لقوله عليه السَّلام: (( بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ ) )ومكارم الأخلاق ممَّا عرفت حسنًا شرعًا وطبعًا، فبهاتين الصفتين - أعني ترك ما تقدَّم النَّهي عنه وامتثال ما ندب إليه هنا - تمَّت البيعة.