فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 415

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ) . (شيء) يعمُّ جميع الأشياء محسوسة مدرَكَة كانت أوغير مدرَكَة، فالمدرَك منها الشَّمس والقمر والنُّجوم والأوثان على اختلافهم، وغير المدرَك منها مثل الملائكة وهوى النُّفوس لقوله عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] . وما أشبهها، وفي قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام أوَّلًا: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا) ثمَّ ذكر الشَّمس والقمر ثُمَّ عمَّ ذلك بذكر الطَّواغيت دليل على أنَّ كلَّ ما يُعبَد من دون الله كائنًا ما كان هو من جملة الطواغيت فلو سكتَ عليه الصَّلاةُ والسَّلام عند قوله: (شَيْئًا) لكان احتمل ما بيَّنه بالمثال وهو ما سوى الله من مخلوقاته واحتُمِل أن يريد: (مَنْ عبدَ الله) ، فإنَّه يُبدَّأُ في ذلك الوقت على جميع مَن عُبِد منْ دونِ الله فيتبعه كلُّ من كان يعبده، فإنَّ (شيئًا) يصدق على المولى جلَّ جلالُه وعلى غيره من مخلوقاته، ولذلك قال عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، فهو جلَّ جلاله شيءٌ وليس كمثله شيء.

وذكر عليه الصَّلاةُ والسَّلام الشمس والقمر؛ لأنَّهما أعظمُ المخلوقات المدرَكات التي عُبِدَتْ من دون الله، ثمَّ عاد عليه الصَّلاةُ والسَّلام إلى إجمال الأوثان بقوله: (الطَّوَاغِيتَ) فأزال بهذا الاحتمال الثَّاني وصحَّ به الوجه الأول كما ذكرناه.

ويترتَّبُ على هذا من أدب الفقه أن من حُسن الكلام إذا كان في كلام المتكلم ما يقع فيه أو في بعضه احتمالٌ للوجه الذي أراده ولغيره أن يأتيَ بمثال أو إشارة يذهب بها ذلك المحتَمل ويحقق ما أراده ويترتَّبُ عليه من الحكم ألَّا يُحكَم على المتكلِّم إلَّا بما يقتضيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت