فهرس الكتاب
كمالِها من الحُسن والضِّياء، فحينئذ يسلِّم أنَّ حجابه كان من عند نفسه، هذا في مخلوق مع مخلوق، فكيف مع من {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشُّورى: 11] . فالحُجُب كلُّها التي لنا منَّا بمقتضى القدرة والحكمة الرَّبَّانيِّة.
وفيه تعلُّقٌ لأهل الصُّوفيَّة الذين يقولونك بأنَّ الحُجُبَ كلَّها من أنفسهم، فمن صحَّ له منهم الخروج الكلِّي عنها فقد وصَلَ وَعَرَفَ وعُرِّف وخَاطَبَ وخُوطب وأبصر وبُصِّرَ، لكن مع التزام حدود الإكبار والإعظام وتقرير القواعد الشَّرعيَّة والتَّنزيه اللائق بالجلال.
وقوله: (هَذَا مَكَانُنَا) أي لا نبرحُ منه. وقوله: (حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا) أي: يتجلَّى لنا كما وعدنا في دار الدُّنيا، ويُؤخَذُ هنا من الفقه أنَّه على قَدْر حال علمك في هذه الدَّار يكون حالُك في تلك الدَّار، ولذلك قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حين قيل له عن عذاب القبر وفَتَّانيه قال: يكونُ معي عقلي؟ قيل: نعم، قال: لا أبالي، وذلك لعلمه أنَّ علَمه يكون على أكمل حالات الإيمان، فلذلك قال: إذا بقي معي ما عقلته من الإيمان فأنا ناجٍ لا شكَّ فيه، وإنَّما خاف من تبديل الحال، ولذلك قال أهل العلم بالمعرفة والشَّريعة: إنَّ التجلِّي هناك في دار الكرامة يكون تفاوت النَّاس فيه على قدر معرفتهم في هذه الدَّار بالإجلال والإعظام.
وقوله: (فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) معناه: فإذا تجلَّى لنا وعرَّفَنا نفسَه عرفناه؛ لأنَّ المؤمنين هنا يعرفون أنَّ قدرته جلَّ جلاله عظيمة تفعل ما شاءت كيف شاءت.