فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 415

وفيه من الفقه أنَّ عند الاختبار تتبيَّن حقيقة الحقائق، ويترتَّبُ عليه من الفائدة بعد الإيمان القطعيِّ به أن يختبر المرء هنا حال إيمانه حتَّى يعلم من أيِّ الفِرَق هو؟ ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبَلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ) ). ولتَعْلَم أنَّ حُكمَ الله عدل، وما أُمِرْنَا به حقٌّ، وأنَّ الحكم لا يتبدَّلُ، فلا تهمِل نفسك وتطمع في الخلاص بضدِّ موجبه فهو عينُ الحمق.

وهنا سؤال: لمَ يتجلَّى مولانا لنا أوَّلًا ولا يُعطينا المعرفة، وفي الثَّانية يتجلَّى لنا ويمنَّ علينا بالمعرفة؟ ولِمَ لا يتجلَّى لنا عندما اتَّبعت كلُّ أمِّة ما عبدت؟

فإن قلنا: هذا ممَّا استأثر الحق عزَّ وجلَّ به ولا سبيل لنا لمعرفة الحكمة في ذلك فلا بحث، وإن قلنا: إنَّ الحكيم لا يفعلُ شيئًا إلَّا عن حكمة وما أخبرنا إلَّا أن نتفكر ونعتبر ونتبصر وهو الأظهر والله أعلم.

فما الحكمة في أنَّه عزَّ وجل تجلَّى لنا مرَّتين ومنعنا في الأولى المَيْزَ ومَنَّ به علينا في الثَّانية؟

فنقول والله أعلم: لأنْ يكونَ بدءَ الخير وهو التَّجلِّي والكلام بما كنَّا عرفناه به في الدُّنيا أنَّه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، وأنَّ كلَّ ما فينا من حواس وما فينا من إدراك خَلقٌ له عزَّ وجلَّ، فعرَّفنا أولًا بالصِّفة التي ابتدأنا بها في الخلق أولًا وآخرًا، وهي صفة القدرة المتصرِّفة فينا مع إبقاء صفات دعوانا فيما جبلنا عليه أولًا بأول بمقتضى الحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت