فهرس الكتاب
وأمَّا كونه عزَّ وجلَّ أَخَّرَ التجلِّي حتَّى لم يبقَ إلَّا هذه الأمَّة فيها منافقوها، على البحث المتقدِّم وهم جميع الرُّسل وأممهم جنًا وإنسًا فذلك والله أعلم ليُظهِر لهم قدر النِّعمة عليهم إذ يعاينون ذلك الجمع الكثير كلهم يَرِدُون النَّار ثمَّ يمنُّ عليهم عزَّ وجلَّ بعد ذلك بالتجلِّي والخطاب.
فيقدرون إذ ذاك قدر المنة بمقتضى الحكمة كما جعل عزَّ وجلَّ بين الجنة والنار طيقانًا يُبصِر أهل الجنة منها أهلَ النار وما هم فيه فيكبر عندهم قدرُ النعمة التي هم فيها؛ لأن النعمة لا تُعرَف إلا بمعرفة ضِدِّها جعلنا الله من أهل نعمه في الدارين بمنِّه.
وقوله: (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانِي جَهَنَّمَ) . وقوله: (يُضرَبُ الصِّراط) أي: يُنصَب كما تقول: ضربتُ الحبل أي: نصبتُه، لكن مشدودُ الطرفين، وقد جاءت صفة الصِّراط أنَّه أرقُّمن الشَّعر وأحدُّ من السَّيف، وأنَّه سبعُ عقبات، وأنَّ طولَ كلِّ عقبةٍ منه مقدارُ ثلاثة آلاف سَنَة على أحد الأقاويل.
وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانِي جَهَنَّمَ) أي: على وسط جهنم، لأنَّ الحروف عند العرب تُبْدَل بعضها من بعض وهو من فصيح الكلام كقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام في حديث الإسراء: (( أَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادسةِ ) )معناه: إلى السماء السادسة، وتقول العرب: فلان بين ظهراني القوم أي: في وسط القوم، فيكون المعنى: فيُنصَبُ على وسط جهنم، وقد جاء أنَّ النَّار تدور بالنَّاس في المحشر كما يدور الخاتم بالإصبع، وأنَّ الشَّمس من فوقهم وليس لهم طريق إلى الجنَّة إلَّا على الصِّراط إذا نُصِب، وصفته كما تقدم.