وشاءت الحكمة أيضًا أنَّ من أهل الإيمان مَن لا يكون دخولُه النَّار إلَّا أنْ يقع من على الصِّراط فلم يُنصَب الصِّراط إلَّا على النَّار التي هي مختصَّةٌ بأهل الإيمان لئلَّا يقع أحدٌ من المؤمنين في نار ليستْ له. حُكمٌ عَدْلٌ بمُقتضى حِكمة الحكيم الذي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] .
وفيه دليلٌ على أنَّ أمور الآخرة ليست على وضع أمور الدُّنيا في غالب أمرها يُؤخَذُ ذلك من أنَّ الصِّراط بهذه الصِّفة يحمل جوازَ جميع المؤمنين في مقدار بعض يوم من أيام الدُّنيا، لأنَّه جاء أنَّ الحقَّ سبحانه يفرغ من الفصل بين العباد في مقدار نصف يوم من أيام الدُّنيا، والجواز على الصِّراط في جزء من ذلك النِّصف، والعادة في هذه الدار أن ذلك القدر من جرم في الحالة والحدَّةِ لا يحمل مِن الثقل شيئًا فكيف بِثقَل ذلك العالم العظيم؟ ولأنَّ الطُّرُق الواسعة أيضًا في هذه الدَّار لا يمرُّ عليها من الجمع الكثير إلَّا اليسير فكيف مع تلك الرِّقَّةِ والدِّقَّة؟ وأيضًا فإنَّ الطريق الضيِّق هنا إذا كان على مهواة لا يملكُ أحدٌ أن يستطيع المرور عليه، وهناك أهل النَّجاة يمرون عليه وما عندهم من ذلك خبر، كما أخبر الصَّادق صلَّى الله عليه وسلَّم فسبحان مَن هذه قُدْرَتُه.
وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَأَكُونُ أَوْلَ مَنْ يجوزُ منَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ)
فيه دليلٌ لِما ذكرناه أولًا أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام عَنَى بـ (الأمَّة) جميع الموحِّدين من آدم عليه السَّلام إلى محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلام.