وآخرونَ لم يُحاسَبوا ألبتَّةَ إلا مِن قبورِهم إلى قُصورِهم كما جاءَت بذلكَ الآثارُ، مثلُ الشهداءِ وغيرهم.
وآخرونَ يُناقَشون الحسابَ، فأولئكَ الذينَ يَهلِكونَ، أي يُعذَّبونَ؛ لأن الهلاكَ الذي هو كنايةٌ عن العَدَمِ ليسَ بموجودٍ هناكَ، وهذا مثلُ قولِه تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم:17] ، أي يأتيهِ أن لو كانَ يأتيهِ مثلُهُ في دارِ الدُّنيا لكانَ يَموتُ، فهنا يُقاسِي مثلَ الموتِ مِن كلِّ جهةٍ وليس بميِّتٍ، وفي هذا الهلاكِ يأتيهِ مِن الأُمورِ المُهلِكةِ أنْ لو كانَ في دارِ الفَناءِ كانَ يَهلَكُ بها، وهنا يُقاسِي مثلَ الهلاكِ وليسَ بهالكٍ، والهالكونَ هُنا - أي المُعذَّبونَ - على أحوالٍ مُختلفةٍ بقَدْرِ أحوالِهم كلُّ شخصٍ بِقَدْرِ حالِهِ.
وفيه دليلٌ على أنَّ مِنَ السنَّةِ أنَّ مَن سمعَ شيئًا لا يعرفُه فَلْيُراجِعْ فيه حتى يَعرفَه، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِهِ: (كَانَتْ لَا تَسَمَعُ شَيْئًا لا تَعرِفُه إلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعرِفَه) فلو لم يكنْ ذلكَ مِن سُنَنِ الإسلامِ لَمَا أَقَرَّها عليهِ السلامُ على ذلكَ، وهي التي قالَ عليهِ السلامُ في حقِّها: (( خُذُوا عَنْهَا شَطرَ دِينِكُمْ ) )، لكن هذا ليسَ على العُمومِ، وإنما ذلكَ لمن فيه أهليَّةٌ، وإنما العوامُّ وظيفَتُهم السؤالُ كما تقدَّم في الأحاديثِ قبلُ.
ومنها: أنْ تكونَ المُراجعةُ بحُسْنِ أدبٍ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِها: (أوَليسَ يقولُ اللهُ تعالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟} [الانشقاق:8] ؟) فلمْ تُظْهِر صورةَ الإِنكارِ، ولكنْ عَرَّضَتْ بالآيةِ ليَجتمِعَ لها في ذلكَ وجوهٌ مِن الفقهِ:
منها تفسيرُ الآيةِ ممَّن يَعرِفُها حقًّا.