وبَقِيَ البحثُ على الكَتْبِ هل يكونُ في الشخصِ نفسِهِ أو في شيءٍ آخرَ؟ مُحتَمِلٌ والقُدرَةُ صالحةٌ، فإنَّ هذهِ الأحايثَ كلُّها أَخبارٌ، والأَخبارُ لا يَدخلُها نسخٌ فيكونُ الحقُّ سبحانَه يخصُّ مِنَ المَخلوقينَ مِن هذهِ الوجوهِ ما شاءَ لمن شاءَ إظهارًا لعِظَمِ القُدرَةِ بجميلِ بديعِ الحكمةِ، وبعدَ الفَراغِ مِن ذلك كلِّه على أيِّ وجهٍ شاءَ اللهُ مِن تلكَ الوجوهِ يُنفَخُ فيهِ الروحُ، لكن قد جاءَ بيانُ هذا في حديثٍ غيرِه؛ وهو قولُه صلى الله عليه وسلَّم: (( ويَخرُجُ المَلَكُ بعدَ الكتابِ مِنَ الرَّحمِ بالصَّحيفَةِ في يدِهِ ) )، وقد جاءت في كيفيَّةِ بدءِ خلقنا آثارٌ بخلاف هذا الترتيبِ، منها أنه قال صلى اللهُ عليهِ وسلَّم: (( إذا وَقَعَ ماءُ الرجُلِ في الرَّحِمِ يتطَايَرُ في عُروقِ المرأةِ أَربَعينَ يَومًا، وبعدَ ذلكَ يَجتمُعُ في الرَّحِمِ ) ). وجاء عنه صلى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه عندَ فراغِ الأربَعينَ يومًا الأُولى يكونُ تصويرُ النُّطفَةُ.
وأمَّا الجوابُ على ما المعرفةُ في الحكمةُ في ذلك، هل لنا سبيلٌ إلى معرفَتِها أو إلى شئٍ منها؟ فما أخبرَنا بها إلا لنَتَدَبَّرَ ما الحكمةُ فيها، فمِنَ الحِكمةِ في ذلك ما يحصلُ لمَن مُنَّ عليهِ بتصديقها من قوةِ الإيمانِ الذي زيادَةُ ذرَّةٍ فيهِ خيرٌ مِن عملِ الدهرِ، يشهدُ لذلكَ قولُ سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم:
(( تَفكُّرُ ساعَةٍ خيرٌ مِن عِبادَةِ الدَّهرِ ) )، وإِنَّما ذلكَ لِمَا يتحصَّلُ فيها مِن قوَّةِ الإيمانِ كما يتحصَّلُ بمعرفةِ هذهِ.
ووجهٌ آخَرُ وهو: أنْ نعرِفَ للحكمةِ قَدرَها، إذْ وذلكَ أَمْرٌ قد نَفُذَ في جميعِ العَوالِمِ، فيكونُ مِن بابِ التحضِيضِ عليها والتَّعظيمِ لشأنِها.