فوجب بالوعد الجميل حسنُ الظَّن، ولا يُلتفت إلى الأعراض وذواتها، وإنَّما يُلتفت إلى الوعد الجميل، ولهذا قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] فلم يُعلِّق عزَّ وجلَّ الاطمئنان بسبب مِن الأسباب، لأنَّها مظنَّة للتَّغيير، وعلَّق الطمأنينة به عزَّ وجلَّ الذي لا يتغيَّر، فجعل عزَّ وجلَّ الرَّجاء في موضع حقيقة الرَّجاء الذي لا يحتمل التَّغيير.
الثَّامن: فيه دليلٌ على ضدِّ هذا الوجه، وهو الخوف للمؤمن في هذه الدَّار، إذ إنَّ أعلى المراتب وهو الإيمان، لا يُؤمَن معه مِن بلاء هذه الدَّار، وعند نزول البلاء صاحبه محتمِل لأن يصبِر فيحصل له ما وُعد، أو لا يصبر فيخسر الدَّارين، نعوذ بالله مِن ذلك. وقد وقع مثل هذا في زمان النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبحضرته، وهو ما روي أنَّ بعض المسلمين كان يقاتل العدوَّ بين يدي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحسن في القتال فتعجَّب الصَّحابة رضوان الله عليهم مِن شدَّته في القتال ونهضته، فذكروا للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أمره، فأخبرهم أنَّه مِن أهل النَّار، فتعجَّبوا مِن ذلك، فراقبه بعضهم واتبع أثره، فرآه قد تَثَقَّل بالجراح فلم يصبر، فقتل نفسه بيده، ولهذا كان عليه السَّلام يقول: (( لَا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدَوِّ واسْأَلُوا اللهَ العافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ ) ).
التَّاسع: فيه دليلٌ لأهل السنَّة، حيث يقولون: بأنَّ العادة لا تؤثر بنفسها، لأنَّ هذا كان بلاء لمن تقدَّم ثمَّ عاد بنفسه وصفته رحمة ًلهذه الأمة.