العاشر: فيه دليلٌ لأهل السُّنَّة، حيث يقولون: بأنَّ قدرة الله تعالى لا تحصر بالعقل لأن هذا كان، بلاء بنفسه وعاد رحمة بنفسه، وحالته واحدة لا تتغيَّر، ولهذا قال بعض الفضلاء في تنزيه القدرة شعر:
~ أبَدْىَ وأَخْفَى لُطْفَه في قَهْرِهِ فَعَطاؤُهُ في مَنْعِهِ مُتَكَتِّمُ
الحادي عشر: فيه دليلٌ على اتفاق حكمة الحكيم، لأنَّه لَمَّا أن جعل عزَّ وجلَّ هذه الدَّار للتَّغيير، جعل كل ما فيها مظنَّة للتَّغيير مثل هذا وما أشبهه، ولَمَّا أن جعل عزَّ وجلَّ الآخرة للبقاء، جعل كلُّ ما فيها باقٍ لا يتغيَّر مِن خير وضدِّه.
الثَّاني عشر: فيه دليلٌ لأهل التَّحقيق الذين يرون بدوام الافتقار، ولا يعوِّلون على ما يظهر لهم مِن مبادئ الأمور، لأنَّ هذا مرَّة وافق ظاهرُه باطنَه، ومرَّة خالف ظاهرُه باطنَه، وكلُّ الأمور مثله في هذا المعنى، فلمَّا شاهدوا مِن عدم إدراكهم لحقيقة الأمور، سلَّموا لله تعالى في كلِّ قضائه، وافتقروا إليه في كلِّ حركةٍ وسكونٍ، لجهلهم بعاقبة الأمور ولعلمه بها وبهم وبما يَرِد عليهم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ولهذا كان عليه السَّلام يعلِّم الصَّحابة رضوان الله عليهم دعاء الاستخارة كما يعلِّمهم السُّورة مِن القرآن، لأجل أنَّ الأمور قد تكون بمقتضى ما يدلُّ عليه ظاهرها، وقد تكون بمقتضى ضدِّه، كما هي فيما نحن بسبيله.
الثَّالث عشر: فيه دليلٌ للخائفين مِن السَّابقة، لأنَّه لولا أنَّ السَّابقة قد سبقت بأنَّ هذا يكون عَلَمًا على السَّعادة وعلى ضدِّها، وهو على صورةٍ واحدةٍ لا يتبدل لَمَا كان كذلك، وكذلك كلُّ ما في الأمور مِن التَّغيير والتَّبديل