والتَّحسين والتَّقبيح، كلُّ ذلك بما قد سبق في الإرادة الأزليَّة، فوجب الخوفُ مِن السَّابقة لأجل هذا المعنى.
الرَّابع عشر: فيه دليلٌ للخائفين مِن العاقبة، الذين لا ينظرون إلَّا إليها، ولا يلتفتون للحال، لأنَّ هذا مبدؤه بلاءٌ وقد تكون عاقبته مثلَه أو ضدَّه، وكلُّ الأمور مثله، فوجب الخوف مِن العاقبة لأجل هذا المعنى.
الخامس عشر: فيه دليلٌ للزَّاهدين إذ إنَّ الأشياء بذواتها يتغيَّر المقصود فيها، والزهد مندوب لذاته، فأخذُ ما هو مندوب لذاته أَوْلى من أَخْذِ ما هو ممكن لأن يحصل به المراد أولا يحصل، وأقلُّ ما فيه مِن التَّغييرات أنَّ صاحبه يبقى متوقِّفًا لا يدري هل يحصل له ما قصد أو لا يحصل؟.
السَّادس عشر: فيه دليلٌ لأهل الصُّوفية الذين لا يلتفتون للأسباب إلَّا مِن جهة الامتثال ويتعلَّقون بمسبِّبها، إذ إنَّ الأمور تبقى على صورتها، والحقائق فيها مختلفة، كما هو هذا كان بلاءً ثمَّ عاد رحمةً، والصِّفة واحدةٌ لم تتغيَّر.
السَّابع عشر: فيه دليلٌ على فصاحة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبلاغته، لأنَّه أتى بلفظٍ واحدٍ يدلُّ على معانٍ كثيرةٍ متساويةٍ ومتضادةٍ كما تقدَّم.
الثَّامن عشر: فيه دليلٌ على عظيم قدرة الله تعالى، إذ الشَّيء الواحد يُفْهَم منه أشياء متعدِّدة متساوية ومتضادة كما تقدَّم، وذلك مختلفٌ في النَّاس بحسب ما يسَّر الله لهم مِن الفهوم، فبعضهم لا يفهم منه إلَّا تلاوةً لا غير، وبعضهم يفهم منه وجهًا من الخوف ليس إلَّا، وبعضهم يفهم وجهًا مِن الرَّجاء ليس إلَّا، وبعضهم يفهم بعض المعاني المذكورة على انفرادها ليس إلَّا، وبعضهم يفهم معنيَينِ ليس إلَّا، وبعضهم يزيد على ذلك إلى عدد يطول وصفه هنا.