فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 415

وكلُّ واحدٍ يتوهَّم أنَّه لا يفهم مِن هذا غير هذا، وبعضهم يرى أنَّ فهمه فيما فتح به عليه باجتهاده وحسن نظره، فيحصل له به اغترار واستدراج، وهذا هالك وبالله أستعيذ، وبعضهم يرى ذلك فتحًا عليه ليس إلَّا، وهذا باب مِن أبواب الخير الممدوحة، وبعضهم يراه فتحًا عليه ويرى رؤية الفتح مِنَّةً أخرى عليه.

ومَن وقف هنا فقد وقف على باب من أبواب الخير عظيمٍ، فإن استرسل في تدقيق النَّظر حتَّى تخلَّى التَّخلِّي الكلِّيَّ، دون حظٍّ مِن إبقاء البشريَّة بما يوفي أثر التَّكليف ومقتضى الحكمة، فذلك بحر مخوِّف وإن أبقى عليه هناك طرفًا مِن البشريَّة لتوفيه حدَّ التَّكليف، ولإعظام حكمة الحكيم والأخذ بها، فهذا قد جمع الكمال لجمعه بين تعظيم قدرة القدير ومقتضى حكمة الحكيم، فقد سبح هذا في بحر النَّعيم، وخُلِع عليه خِلعُ القرب والإفضال.

فسبحان مَن هزَّ برياح آثار قدرته أغصان قلوب عباده، فمنهم متواضع بالافتقار، ومنهم رافع بالخوف والإعظام، ومنهم متقلِّب بين هذه الأطوار ولا نهاية في تحديد هذه الأطوار إلَّا لإدراك قدرة الملك الجبَّار، وإنما هذه إشارة للفطين يستدلُّ على عظيم قدرة القدير، يشهد لِمَا قرَّرناه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، واللهُ يُعطي ) )فاللفظ واحد والأفهام مختلفة، والخطاب منفرد والأحوال متفرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت