السابعَ عشرَ: فيه دليلٌ على أنَّ البَهْرَجَةَ لا تجوزُ على عالِمٍ؛ لأن العوامَّ إنما اتَّخذوا هؤلاءِ الجُهَّال رُؤوسًا لأجلِ تشَبُّهِهِم بأهلِ العلمِ في الكُتُبِ مثلًا، وفي جِنس الكُتُبِ والنَّظرِ فيها، فلمَّا رأى الناسُ ما جَرت العادةُ بهِ يكون ُعَلَمًا على العالم - وهو النورُ كما تقدَّم في وصفِه قبلُ - ظنُّوهم مِن العلماءِ الرؤُوسِ حقيقةً فصحَّت البَهْرَجَةُ عليهم، ولهذا قالَ يُمْنُ بن رِزْقٍ رحمه الله: لقلَّةِ العُقلاءِ لم تُعرفِ الحَمْقَى، وهذا المعنى بنفسِه قد ظَهَرَ اليومَ في زمانِنا وكَثُرَ وتفاحشَ بقومٍ يقرؤونَ النحوَ والأُصولَ والمَنطِقَ وعلمَ الكلامِ وعلمَ الطَّبائِعِ وما أشبهَ ذلكَ، ثم يدَّعونَ بها الرِّئاسةَ ويُريدونَ أن يُفتوا في دينِ اللهِ بتلكَ العلومِ، ويُرجِّحَ ذلكَ عندَهم بعقولِهم الفاسدةِ حتى إن بعضَهم يدَّعي الاجتهادَ على زعمِهِ ويُخَطِّئُ مَن تقدَّمَ مِن الفُضلاء وأئمةِ الدينِ، وذلك لقلَّة فَهمِهِ لِمَا قالوا وسُوءِ ظنِّه بهم، لأنَّه لو حسَّنَ بهم الظنَّ لعادَ عليه مِن بركتِهم بما يَفهمُ كلامَهم، فالحذرَ الحذرَ مِن هذه الطائفةِ الرديئَةِ والعِصابةِ الجَهنَّميِّةِ، وقد حذَّرَ عليهِ السلامُ عنها وبيَّنها أتمَّ بيانٍ، فقال: (( يَأتي في آخرِ الزَّمانِ أقوامٌ يُحدِّثونَكم بما لَم تَعرِفوا أَنتم ولا آباؤُكُم ) )أو كما قالَ عليهِ السلامُ (( فخُذْ ما تَعرِفْ ودَعْ ما تُنكِر، وعليكَ بخُوَيِصَّةِ نفسِكَ ) ).