فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 415

ولم يكن في السموات؟ والجواب عنه: أنَّ العرش قد شاءت الحكمة بأنَّه يبقى على حاله لا يتغيَّر ولا يتبدَّل بحسب الأخبار الواردة في ذلك، والسموات والأرض تتغيَّر وتتبدَّل، فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى،

فإن قال قائل لِمَ لَمْ يكن في الجنان؟ إذ إنَّ الجِنَان لا تتغير ولا تتبدل؟ قيل له: إنَّما جعل الجنان للجزاء والنعيم، والأمر والنهي ليس هناك، وقد شاءت الحكمة بأنَّ الأحكام والشرائع والأمر والنهي مختصٌّ بالعرش ومنه منبع ذلك كله.

وفي هذا دليلٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ متنزِّهٌ عن الحلول على العرش، لأنَّه قد شاءت الحكمة أن يكون العرش ظرفًا لِمَا شاء عزَّ وجلَّ مِن أمره ونهيه وحكمه بمقتضى هذا الحديث في قوله عنِ الكتابِ: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ) وقد مرَّ الكلامُ عليه، فعلى مقتضى هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] : استوى أمره ونهيه وما شاء مِن حكمه، ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22] أي: جاء أمرُ ربك، وهذا مستعمَل في ألسنةِ العرب كثير.

وممَّا يزيد هذا بيانًا وإيضاحًا - أعني نفي الذات الجليلة عن الحلول والاستقرار - قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَا تُفضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بنِ مَتَّى ) )والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام رُفِعَ حتَّى رقي السبع الطباق، ويونس عليه الصَّلاة والسَّلام ابتلعه الحوت في قعر البحار، والفضلية موجودة مرئية في هذا العالم الحسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت