فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 849

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58]

يأْمُرُ اللهُ تعالى عِبادهُ المُؤْمِنِين بِأداءِ الأماناتِ إلى أهْلِها. وأداءِ الأماناتِ يشْملُ جمِيع الأماناتِ الواجِبةِ على الإِنْسانِ: مِنْ حُقُوقِ اللهِ عزّ وجلّ (مِنْ صلاةٍ وصِيامٍ وزكاةٍ ... ) ومِنْ حُقُوقِ العِبادِ (كالودائِعِ وغير ذلِك مِمّا يُؤْتمنُ الإِنْسانُ عليهِ ولوْ لمْ تكُنْ بِيدِ أصْحابِها وثائِق وبيناتٍ عليها) .هذِهِ الآيةُ نزلتْ فِي عُثْمان بْنِ أبِي طلْحة، فقدْ كانتْ لهُ حِجابةُ الكعْبةِ. ولمّا فتح اللهُ مكّة على رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - طاف الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - بِالكعْبةِ، ثُمّ دعا بِعُثْمان بْنِ أبِي طلْحة، وأخذ مِنْهُ مُفْتاح الكعْبةِ ودخلها. فجاءهُ العبّاسُ (وقِيل بلْ جاءهُ علِي) فقال: يا رسُول اللهِ، اجْمعْ لنا حجابة الكعْبةِ مع السِّقايةِ. فدعا رسُول اللهِ بِعُثْمان بْنِ أبِي طلْحة ودفع إِليهِ المُفْتاح، وخرج يقْرأُ هذِهِ الآية.

ويأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِين بِأنْ يحْكُمُوا بيْن النّاسِ بِالعدْلِ، وأنْ يكُون العدْلُ عامًا لِلْبرِّ والفاجِرِ، ولِكُلِّ أحدٍ، وأنْ لا يمْنعهُمْ مِنْ إِقامةِ العدْلِ حِقْدٌ أوْ كراهِيةٌ أوْ عداؤةٌ.

ثُمّ يقُولُ تعالى إنّ ما يأْمُرُ بِهِ، ويعِظُ بِهِ المُؤْمِنِين، هُو الشّرْعُ الكامِلُ، وفِيهِ خيْرُهُمْ، واللهُ سمِيعٌ لأقْوالِ العِبادِ، بصِيرٌ بِأفْعالِهِمْ، فيُجازِي كُلّ واحِدٍ بِما يسْتحِقُّ .. [1]

وعنِ الْبراءِ، قال:"إنّ اللّه يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها، قال: الأمانةُ فِي الصّلاةِ , والأمانةُ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجناباتِ , والأمانةُ فِي الْكيْلِ , والأمانةُ فِي الْوزْنِ , وأعْظمُ ذلِك فِي الْودائِعِ"مصنف ابن أبي شيبة [2] .

عنْ يُوسُف بْنِ ماهك الْمكِّىِّ قال كُنْتُ أكْتُبُ لِفُلانٍ نفقة أيْتامٍ كان ولِيّهُمْ فغالطُوهُ بِألْفِ دِرْهمٍ فأدّاها إِليْهِمْ فأدْركْتُ لهُمْ مِنْ مالِهِمْ مِثْليْها. قال قُلْتُ أقْبِضُ الألْف الّذِى ذهبُوا بِهِ مِنْك قال لا حدّثنِى أبِى أنّهُ سمِع رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ «أدِّ الأمانة إِلى منِ ائْتمنك ولا تخُنْ منْ خانك» سنن أبى داود [3]

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها. والحكم بين «الناس» .

بالعدل. على منهج اللّه وتعليمه.

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط اللّه بها فطرة الإنسان والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها «الإنسان» .. أمانة الهداية والمعرفة والإيمان باللّه عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 551، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - (ج 13 / ص 204) برقم (34763)

(3) - برقم (3536) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت