فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 849

اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى اللّه، بعون من اللّه: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» .. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات [1] .

ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر اللّه أن تؤدى:

ومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة حية في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا:

ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون .. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان. وهي إحدى الأمانات ..

ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض منهجا للجماعة المؤمنة ومنهجا للبشرية جميعا .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة .. ومن ثم ف «الْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [2] على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات ..

ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأطفال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها ... وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال .. فهذه من الأمانات التي يأمر اللّه أن تؤدى ويجملها النص هذا الإجمال ..

فأما الحكم بالعدل بين «الناس» فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا «بين الناس» جميعا. لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس .. وإنما هو حق لكل

(1) - يراجع بتوسع كتاب «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» فصل: «حقيقة الإنسان» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)

(2) - عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا تُكَفِّرُوهُمْ بِذَنْبٍ وَلَا تَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِشِرْكٍ، وَمَعْرِفَةُ الْمَقَادِيرِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا مِنَ اللَّهِ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مُذْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - إِلَى آخِرِ عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ".المعجم الأوسط للطبراني [10/ 488] (4931) وفيه متهم

ولكنه ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لاَ يُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخَرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ» .السنن الكبرى للبيهقي- المكنز [9/ 156] (18947) والسنن الواردة في الفتن للداني [1/ 432] (372) حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت