فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 849

لهذا الجسد في الإنسان حظّه من المرأة في حدود مرسومة لا يتعداها، وهو أن يتخذ له امرأة، أو أكثر إلى أربعة، ممن أحلّ الله له .. أو ما يشاء من النساء، ممن ملكتهن يده! الأصل إذن، الحرمة المطلقة في اتصال الرجل بالمرأة عموما .. ثم الإباحة في هذا النطاق الضيق المحدود .. ! أو قل: الأصل هو الإباحة المطلقة من كل قيد، ثم هذا القيد الوارد على هذا الإطلاق .. وذلك حسب أي النظرتين بنظر بها إلى الإنسان .. فإن نظر إليه على أنه إنسان يسمو بإنسانيته عن الانتساب إلى عالم الحيوان- كان على مستوى التقدير الأول، وإن نظر إليه على أنه حيوان، يريد أن يتحسس طريقه إلى الإنسان- كان على مستوى التقدير الثاني.

وانظر: إنه لو ترك للإنسان الحبل على الغارب، لكان له أن يتصل بأية امرأة يريدها ويشتهيها .. وهذا من شأنه أن يجعل جميع النساء مباحات له .. يتصل بهنّ، بوسيلة أو بأخرى ..

وهذا القدر المحدود المباح له من النساء، هو استثناء من هذا الحظر العام، وهو بالقياس إلى الحظر العام، لا يكاد يعدّ شيئا، يحسب حسابه. حتى لكأن الحظر العام قائم ..

فقوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» تذكير بهذه النعمة، التي أتاحت للإنسان أن يتصل بالمرأة في هذه الحدود، وهى وإن وجدها ضيقة، لا تشبع جوعه الحيواني، فإن عليه أن يذكر أنه إنسان، وأنه كان من مطلب الجانب الروحي منه، ألا يكون هناك هذا المنفذ الذي ينفذ منه إلى المرأة .. ومع ذلك فإنه غير ملوم في الاتصال بالمرأة في هذه الحدود، وإن جار هذا على الجانب الروحي منه، وهذا كله يعنى القصد في هذا الأمر، والاعتدال فيه، وألا يكون الإنسان على سواء مع الحيوان! وفى قوله تعالى: «فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» - تحذير من مجاوزة هذه الحدود، والانطلاق إلى ماوراءها، فإن ذلك هو دخول في عالم الحيوان باربعة أرجل، وهو عدوان على إنسانية الإنسان، واعتداء على حدود الله! قوله تعالى:

«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» - هو من صفات هؤلاء المؤمنين الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى بالفلاح .. فمن صفات هؤلاء المؤمنين- مع ما وصفوا به من قبل- أنهم يرعون الأمانات، ويحفظون العهود .. ومن الأمانات، والعهود، هذه التكاليف التي كلّف بها الإنسان، وهذه الأوامر التي أمر بها .. ورعاية هذه التكاليف، وتلك الأوامر، هو القيام عليها، والتزام حدودها .. والخروج عليها، هو عدوان عليها، وعلى الله سبحانه! قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» - هو من صفات المؤمنين المفلحين أيضا .. وهو محافظتهم على الصلوات، وأداؤها في أوقاتها، بعد أن وصفوا من قبل بأنّهم في صلاتهم خاشعون ..

وقدمت الخشية في الصلاة، على المحافظة عليها .. لأن الخشية هى المطلوب الأول من الصلاة، وأن صلاة بغير خشوع وخشية، لا محصّل لها، ولا ثمرة منها ..

قوله تعالى: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت