فعلى مسيرة الجهاد، وفى أوقات الشدة والضيق، وفى مواقع الهزيمة، وفقد الأحباب والأعزاء، تتغير مواقف المجاهدين، وتحوم حول مشاعرهم خواطر تهز إيمانهم، على درجات مختلفة، حسب ما في النفوس من إيمان، وما في القلوب من يقين ..
فالنفس البشرية- أيا كانت من وثاقة الإيمان بالله- تعرض لها في الشدائد والمحن، عوارض، من الخواطر، والتصورات، لا ترضاها لدينها، وإيمانها بربها في ساعة اليسر، وفى أوقات السلام والأمن .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» (110:يوسف) وقوله تعالى عن النبي وأصحابه: «وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» (214:البقرة) ويقول سبحانه عن المؤمنين في غزوة الأحزاب: «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» (10:الأحزاب) - وقد صرح المنافقون والذين في قلوبهم مرض من المؤمنين- صرحوا عن ظنونهم بالله يومئذ، فقالوا ما ذكره الله تعالى عنهم من قولهم: «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» (12:الأحزاب) .فدعوة النبي إلى الاستغفار، هى دعوة له، وللمؤمنين معه- من باب أولى- إلى لقاء الله تعالى تائبين مستغفرين، بعد أن يتم الله عليهم نعمة النصر والفتح، ويبلغ بهم منزل السلامة والأمن .. وإنه ليس في هذا الاستغفار إلا مراجعة لما وقع في النفوس من ظنون بالله عند بعض المؤمنين، أو ضجر من الصبر على البلاء عند بعض آخر، أو شعور بشىء من الأسى والحزن عند فريق ثالث .. وهكذا وذلك في مسيرتهم على طريق الضرّ والأذى، إلى أن لقيهم نصر الله والفتح.
وقوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا» أي كثير التوبة على عباده، واسع المغفرة لذنوبهم .. وفى المبالغة في التوبة دلالة على كثرتها، والدلالة على كثرتها، دلالة على كثرة ذنوب العباد، وما وقع لهم في مسيرتهم على الجهاد، مما ينبغى أن يتطهر منه المجاهدون، وأن يصفّو حسابهم معه بالتوبة والاستغفار، بعد أن رأوا ما رأوا من قدرة الله، ومن إحسانه وفضله عليهم .. وهذا مثل قوله تعالى: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (117:التوبة) [1]
في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك.
فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به، وأما الأمر بعد حصول النصر والفتح، فأمر رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين: إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين، ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من
(1) - التفسير القرآني للقرآن (16/ 1699)