فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 849

رسوله، فإن هذا من الشكر، والله يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ} وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في هذه الأمة لم يزل نصر الله مستمرًا، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من الأديان، ودخل فيه ما لم يدخل في غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فابتلاهم الله بتفرق الكلمة، وتشتت الأمر، فحصل ما حصل.

[ومع هذا] فلهذه الأمة، وهذا الدين، من رحمة الله ولطفه، ما لا يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.

وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل أقسم الله به.

وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، وغير ذلك.

فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه.

فكان - صلى الله عليه وسلم - يتأول القرآن، ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:"سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي". [1]

في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص، عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث، وما يقع في هذه الحياة من حوادث. وعن دور الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودور المؤمنين في هذه الدعوة، وحدّهم الذي ينتهون إليه في هذا الأمر .. هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ... » .. فهو نصر اللّه يجيء به اللّه: في الوقت الذي يقدره. في الصورة التي يريدها. للغاية التي يرسمها.

وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء، وليس لهم في هذا النصر يد. وليس لأشخاصهم فيه كسب. وليس لذواتهم منه نصيب. وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر اللّه يحققه بهم أو بدونهم. وحسبهم منه أن يجريه اللّه على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حراسا، ويجعلهم عليه أمناء .. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين اللّه أفواجا ..

وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه بإزاء تكريم اللّه لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم. إن شأنه - ومن معه - هو الاتجاه إلى اللّه بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار.

التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسا لدينه. وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجا في هذا الخير الفائض العميم، بعد العمى والضلال والخسران.

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 936)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت