والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل: الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء. وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار.
والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي، والشدة الطاغية والكرب الغامر .. من ضيق بالشدة، واستبطاء لوعد اللّه بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة، فمن هذا يكون الاستغفار.
والاستغفار من التقصير في حمد اللّه وشكره. فجهد الإنسان، مهما كان، ضعيف محدود، وآلاء اللّه دائمة الفيض والهملان .. «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» .. فمن هذا التقصير يكون الاستغفار .. وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار .. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور ..
ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى اللّه طلبا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين. ليرقب المنتصر اللّه فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة اللّه عليهم تحقيقا لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى اللّه تصير الأمور.
إنه الأفق الوضيء الكريم، الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه، على حدائه النبيل البار. الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترف فيه روحه طليقة لأنها تعنو للّه! إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحا من روح اللّه. ليس لها حظ في شيء إلا رضاه. ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة، بانية عادلة خيرة، .. الاتجاه فيها إلى اللّه.
وعبثا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته، مقيد برغباته، مثقل بشهواته. عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه، ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر اللّه وحده.
وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائما، يريد اللّه أن ترتفع البشرية إلى آفاقه، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائما ..
كان هذا هو أدب يوسف - عليه السلام - في اللحظة التي تم له فيها كل شيء، وتحققت رؤياه: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وَقالَ: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها