فهرس الكتاب
ينفقون في سبيله حين يدعوهم إلى الإنفاق. وهو استخلفهم فيه كما قال لهم هناك. وكله عائد إليه كما يقول لهم هنا؟ وما الذي يبقى من دواعي الشح وهواتف البخل أمام هذه الحقائق في هذا الخطاب؟
ولقد بذلت الحفنة المصطفاة من السابقين، من المهاجرين والأنصار، ما وسعها من النفس والمال، في ساعة العسرة وفترة الشدة - قبل الفتح - فتح مكة أو فتح الحديبية وكلاهما اعتز به الإسلام أيام أن كان الإسلام غريبا محاصرا من كل جانب، مطاردا من كل عدو، قليل الأنصار والأعوان. وكان هذا البذل خالصا لا تشوبه شائبة من طمع في عوض من الأرض، ولا من رياء أمام كثرة غالبة من أهل الإسلام. كان بذلا منبثقا عن خيرة اختاروها عند اللّه وعن حمية لهذه العقيدة التي اعتنقوها وآثروها على كل شيء وعلى أرواحهم وأموالهم جميعا .. ولكن ما بذلوه - من ناحية الكم - كان قليلا بالقياس إلى ما أصبح الذين جاءوا بعد الفتح يملكون أن يبذلوه. فكان بعض هؤلاء يقف ببذله عند القدر الذي يعرف ويسمع أن بعض السابقين بذلوه! هنا نزل القرآن ليزن بميزان الحق بذل هؤلاء وبذل أولئك، وليقرر أن الكم ليس هو الذي يرجح في الميزان ولكنه الباعث وما يمثله من حقيقة الإيمان: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ. أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا» ..
إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء. غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة باللّه، متجرد تجردا كاملا لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة باللّه وحده، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب. لا يجد على الخير عونا إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته. وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين.
روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلاَمٌ، فَقَالَ خَالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنَا بِأَيَّامٍ سَبَقْتُمُونَا بِهَا، فَبَلَغَنَا أَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: دَعُوا لِي أَصْحَابِي [1] ،فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ، أَوْ مِثْلَ الْجِبَالِ، ذَهَبًا، مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ. [2] ..
(1) - يتحدد من هذا الحديث معنى معين لأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذين تكرر تحذيره بشأنهم. فهم أولئك السابقون. وقد كان يقول للمسلمين حوله وممن صاحبوه: «دعوا لي أصحابي ... » فدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - يعني صحبة خاصة .. وكذلك قال في مرة عن الصديق - رضي اللّه عنه: «دعوا لي صاحبي» .. (السيد رحمه الله)
قلت: الصواب عدالة كل الصحابة ولا يجوز سب واحد من منهم فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوا أَصْحَابِي غَرَضًا مَنْ أَحَبَّهُمْ، فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ. صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [16/ 244] (7256) صحيح
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [4/ 679] (13812) 13848 صحيح