فهرس الكتاب
حتّى يخْرُجُوا مِنْها فإِنْ يخْرُجُوا مِنْها فإِنّا داخِلُون (22) قال رجُلانِ مِن الّذِين يخافُون أنْعم اللّهُ عليْهِما ادْخُلُوا عليْهِمُ الْباب فإِذا دخلْتُمُوهُ فإِنّكُمْ غالِبُون وعلى اللّهِ فتوكّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين (23) [المائدة/20 - 23]
واذْكُرْ يِا مُحمّدُ لأهْلِ الكِتابِ، وأنْت تُبِلِّغُهُمْ دعْوة ربِّهِمِ، ما قالهُ مُوسى لِقوْمِهِ، وما ذكّرهُمْ بِهِ مِنْ أنْعُمِ اللهِ وأفْضالِهِ عليهِمْ، بِما جمعهُ لهُمْ مِنْ خيْرِ الدُّنْيا والآخِرةِ، لوِ اسْتقامُوا على الهُدى، فقدْ جعل الأنْبِياء فِيهِمْ، كُلّما هلك نبِيٌّ قام فِيهِمْ نبِيٌّ يدْعُوهُم إلى اللهِ، ويُحذِّرُهُمْ نِقمهُ، وأنّهُ تعالى قدْ جعلهُمْ مُلُوكًا (بِمعْنى أنّ واحِدهُمْ يمْلِكُ نفْسهُ ومالهُ وأهْلهُ - وقال ابْنُ عبّاسٍ: كان الرّجُلُ مِنْ بنِي إِسْرائِيل إذا كانتْ لهُ زوْجةٌ وخادِمٌ ودارٌ سُمِّي ملِكًا) .وأنّهُ تعالى آتاهُمْ ما لمْ يُؤْتِ أحدًا مِن العالمِين مِنْ أهْلِ زمانِهِمْ، فقدْ أنْزل اللهُ عليْهِمْ المنّ والسّلْوى، وظلّلهُمْ بِالغمامِ فِي مسِيرتِهِمْ فِي صحْراءِ سِيناء.
ثُمّ أخْبر اللهُ تعالى أنّ مُوسى قال لِقوْمِهِ مُحرِّضًا إيّاهُمْ على الجِهادِ لِلاسْتِيلاءِ على الأرْضِ المُقدّسةِ (أي المُطّهرةِ مِنْ عِبادةِ الأوْثانِ لِما بعث اللهُ فِيها مِن الأنْبِياءِ الدُّعاةِ إلى التّوحِيدِ) ،فقال لهُمْ: يا قوْم سِيرُوا إلى الأرْضِ المُقدّسةِ التِي وعد اللهُ أباكُمْ إِبْراهِيم بأنْ يُسْكِن فِيها منْ آمن مِنْ نسْلِهِ، ولا ترْجِعُوا - بعْد الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِن التّوْحِيدِ والهُدى - إلى الوثنِيّةِ والفسادِ فِي الأرْضِ المُقدّسةِ والبغْي واتِّباعِ الأهْواءِ، فإِنّ فِي هذا الرُّجُوعِ خُسْرانًا لكُمْ.
فاعْتذرُوا عنْ دُخُولِ البلدِ بِأنّ فِيها قوْمًا جبّارِين ذوي خِلقٍ هائِلةٍ، وأجْسامٍ ضخْمةٍ، وقُوى شدِيدةٍ، وأنّهُمْ لا يقْدِرُون على قِتالِهِمْ، ولا يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ إِليْها، ما دام الجبّارُون فِيها، فإِنْ خرجُوا مِنْها، دخلها قوْمُ مُوْسى، وإلاّ فإِنّهُمْ لا طاقة لهُمْ بِقِتالِ الجبّارِين.
فلمّا نكل بنُو إسْرائِيل عنْ إِطاعةِ أمْرِ ربِّهِمْ، ومُتابعةِ مُوسى، حرّضهُمْ رجُلانِ، للهِ عليْهِما نِعْمةٌ عظِيمةٌ، وهُما مِمّنْ يخافُ اللهُ ويخْشى عِقابهُ، فقالا لِقوْمِهِما: إنْ توكّلْتُمْ على اللهِ، وتبِعْتُمْ أمْرهُ، ووافقْتُمْ رسُولهُ، نصركُمْ ربُّكُمْ على أعْدائِكُمْ، وأيّدكُمْ وأظْفركُمْ بِهِمْ، ودخلْتُمُ البلد الذِي كتب اللهُ لكُمُ السُّكْنى فِيها، فلمْ ينْفعْ فِيهِمْ هذا القوْلُ شيئًا.
ولكِنّ بنِي إِسْرائِيل أصرُّوا على النُّكُولِ عنِ الجِهادِ، وعلى مُخالفةِ رسُولِهِمْ، فقالوُا لهُ: إنّهُمْ لنْ يدْخُلُوا البلد ما دام الجبّارُون مُقِيمِين فِيها، فإِذا أصرّ مُوسى على الجِهادِ فلْيذْهبْ هُو وربُّهُ فلْيُقاتِلا الجبّارِين، وهُمْ ينْتظِرُون نتِيجة المعْركةِ قاعِدِين، حيْثُ هُمْ يُقِيمُون.
فلمّا نكلُوا عنِ القِتالِ، غضِب عليْهِمْ مُوسى، واتّجه إلى اللهِ بِالدُّعاءِ، فقال: يا ربِّ ليْس بيْن هؤُلاءِ منْ يُطِيعُنِي ويُجِيبُنِي إلى تنْفِيذِ ما أمرْتنِي بِهِ إلاّ نفْسِي وأخِي هارُون، فاقْضِ يا ربِّ بيْننا وبيْن هؤُلاءِ القوْمِ، الخارِجِين على طاعتِك (الفاسِقِين) ،بِقضاءِ تقْضِيهِ بيْننا، فتحْكُم لنا بِما نسْتحِقُّ، وتحْكُم لهُمْ بِما يسْتحِقُّون (وقِيل إنّ المعْنى هُو: إنّك إذا أخذْتهُمْ بِالعِقابِ على فِسْقِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ عنْ طاعتِكِ، فلا تُعاقِبْنا معهُمْ) .