فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 849

فلمّا دعا مُوسى عليهِم، حِين نكلُوا عنِ الجِهادِ، قضى اللهُ عليْهِمْ بِأنْ حرّم عليهِمْ دُخُولها أربعين سنةً، يتِيهُون خِلالها فِي الأرْضِ (أيْ فِي صحْراءِ سِيناء) ،ويبْقوْن مُتحيِّرِين مُتردِّدين، لا يدْرُون مصِيرهُمْ، ولا يهْتدُون إلى الخُرُوجِ مِمّا هُمْ فِيهِ، خِلال المُدّةِ التِي قضاها. اللهُ عليْهِمْ. وخِلال وُجُودِهِمْ فِي صحْراءِ سِيناء تُوُفِّي مُوسى وهارُونُ، عليْهِما السّلامُ، وتولّى قِيادة بني إسْرائِيل يُوشعُ بْنُ نُونٍ (وهُو مِنْ نسْلِ يُوسُف عليْهِ السّلامُ) وجعلهُ الله نبِيًّا فِيهِمْ، وتُوُفِّي أكْثرُ الجِيلِ القدِيمِ، ونشأ فِي الصّحْراءِ والحُرِّيّةِ جِيلٌ جدِيدٌ. فلمّا انْقضتِ المُدّةُ التِي قضاها اللهُ عليهِمْ، خرج بِهِمْ يُوشعُ بْنُ نُونٍ، وتوجّه بِهِمْ إلى إحْدى المُدُنِ فحاصرها وفتحها. ثُمّ سلّى اللهُ نبِيّهُ مُوسى عليْهِ السّلامُ فقال لهُ: لا تأسفْ عليْهِمْ، ولا تحْزنْ عليْهِمْ فِيما قضيْتُ عليْهِمْ، فإنّهُمْ مُسْتحِقُّون ذلِك. وهذِهِ القِصّةُ تتضمّنُ تقْرِيعًا لِليهُودِ، وبيانًا لِفضائِحِهِمْ ومُخالفتِهِمْ أمْر ربِّهِمْ وأمْر رسُولِهِ، ونكُولِهِمْ عنْ طاعتِهِما" [1] "

لما امتن الله على موسى وقومه بنجاتهم من فرعون وقومه وأسرهم واستبعادهم، ذهبوا قاصدين لأوطانهم ومساكنهم، وهي بيت المقدس وما حواليه، وقاربوا وصول بيت المقدس، وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم ليخرجوه من ديارهم. فوعظهم موسى عليه السلام؛ وذكرهم ليقدموا على الجهاد فقال لهم: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة، {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ} يدعونكم إلى الهدى، ويحذرونكم من الردى، ويحثونكم على سعادتكم الأبدية، ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} تملكون أمركم، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم لكم، فكنتم تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم.

{وَآتَاكُمْ} من النعم الدينية والدنيوية {مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى. وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم.

فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه، ولهذا قال: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} .

أي: المطهرة {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم. {وَلا تَرْتَدُّوا} أي: ترجعوا {عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} قد [ص:228] خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب، فقالوا قولا يدل على ضعف قلوبهم، وخور نفوسهم، وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله.

{يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} شديدي القوة والشجاعة، أي: فهذا من الموانع لنا من دخولها.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 690، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت