الغايات وأعظمها.
إن تحرير ضمير الفرد من الضلال والعمى، وفك عقله من الضّيق والإظلام، لا يكون إلا بتحرير إرادة الإنسان وإطلاقها من كل قهر أو قسر .. وإنه لن تصحّ إنسانية الإنسان، ولن يكتمل وجوده، إلا بالضمير الحر، والعقل المتحرر .. وإنه لا فرق بين الأحرار والعبيد وبين الإنسان وغير الإنسان إلا في تلك المشاعر التي يجدها الإنسان في كيانه من طاقات الحرية والتحرر، فيمتلك بها أمر نفسه، ويكتب بها خطّ مسيره ومصيره، كيف شاء، وعلى أي وجه أراد ..
وفى الواقع أن ركوب الخطأ عن رأى الإنسان وتقديره، غير المدخول عليه بإكراه أو خداع، أو تضليل- هو خير من الانقياد للصواب عن قهر وقسر، وعن تمويه وتلبيس .. إذ الأول يسير ومعه عقله، وتفكيره، وليس ببعيد أن يلتقى يوما بالصواب الذي ضل عنه .. أما الآخر، فإنه يسير بلا عقل ولا تفكير ..
يسير بعقل غيره، وبتفكير غيره، وليس ببعيد أن يلتفت يوما فلا يجد من أعاره عقله وتفكيره، فإذا هو كتلة جامدة، أو تمثال من لحم ودم، لا حياة فيه، ولا معقول له! .. إن الأول مبصر يتخبط في الظلام، ولكنه إذا رأى النور، أبصر، واهتدى واستقام على سواء السبيل ..
أما الآخر .. فهو أعمى يقاد لكل يد تمتد إليه .. وكما انقاد ليد من ينصح له ويهديه، فإنه لن يمتنع عن الانقياد لمن يمكر به، ويضلّه .. وهل يملك الأعمى أن يأخذ طريقا غير طريق من يقوده، ويمسك بيده؟ وقوله تعالى: «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» هو ليس قيدا واردا على إطلاق الحرية في الدّين، وإنما هو تقرير لبيان الحال من أمر الدعوة الإسلامية، وهو أنه يجب ألا يطوف حول دعوتها طائف من القهر والقسر، إذ قد استبانت معالمها، ووضحت حدودها، وإن الذي ينظر في مقرراتها، وفى شواهدها وآياتها ثم لا يجد الهدى، ولا يقبل عليه، فلا سبيل إلى هداه، ولا جدوى من إيمانه! إنه في حساب الناس .. لا شىء!.
قوله تعالى: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها» .
«الطاغوت» شىء مخيف، مفزع، أشبه بالشيطان .. لا تقع عليه العين، وإنما يصوره الوهم من هذا الاسم الذي يطلق عليه «الطاغوت» ،ويشكلّه من هذه الأحرف المتنافرة التي يتشكل منها اسمه: .. الطاء، والغين، والتاء، يجمعها كيان واحد.
وإن الذي يحترم عقله، ويكرم إنسانيته ليأبى أن ينقاد للوهم، ويتعبّد لآلهة من مواليد الباطل والضلال، إنه يجرى وراء سراب، ويتعلق بما هو أوهى من خيوط العناكب!.
والموقف الصحيح الذي ينبغى أن يأخذه الإنسان العاقل الرشيد، هو أن يعلو بعقله فوق هذه الأوهام، ويرتفع بإنسانيته عن هذا الهوان، وأن يجعل ولاءه وخضوعه لمن بيده ملكوت السموات