والأرض، رب كل شىء، وخالق كل شىء .. وبهذا يمسك الإنسان بالسبب الأقوى، ويعلق بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وبهذا تكتب له النجاة والسلامة.
ومنذ يدخل الإنسان ساحة الإيمان ويسلم وجهه لله وحده، وهو في ضمانة الله، يتولاه برحمته وهدايته وتوفيقه، ويخرجه من ظلمة الضلال إلى نور الحق، وإذا هو على نور من ربّه «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (40:النور) .
أما حين يعطى المرء وجوده للطاغوت، ويسلم إليه زمامه، فهو في ضمانة هذا الطاغوت .. أعنى في ضمانة الباطل والضلال .. فانظر إلى أين يقاد من كان قائده الباطل وحاديه الضلال؟ إنه يخرجه من النور إلى الظلمات، إذ يفسد عليه تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فيطمس عليها في كيانه، فإذا هو أعمى يتخبط في ظلام،،ويقاد بيد الضلال إلى كل مضلّة وكل مهلكة.
وانظر إلى كلمة «الطاغوت» مرة أخرى، وقد جاءت مسندة إلى الفرد في الآية السابقة: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ» ،ثم جاءت مسندة إلى الجمع في هذه الآية: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» دون أن تتغير صورتها في الحالتين، بل ظلت هكذا: «الطاغوت» .. وهذا ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه لا مشخّص لهذه الكلمة، وإنما هى اسم جامع لكل باطل، وكل ضلال، وكل غواية، وهو قادر على أن يحمل في كيانه الضخم كل هذه المخازي والضلالات .. إنه «الطاغوت» !!.بناء ضخم شامخ من الوهم والضلال. [1]
يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي {لا انفصام لها} وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن
(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 318)