فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 849

يُؤدِّبُ اللهُ تعالى في هذِهِ الآيةِ عِبادهُ المُؤْمِنين، ويُعلِّمُهُمْ أصُول مُخاطبةِ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - والتّعامُلِ معهُ، وتوْفِيتِه حقّهُ مِن التّوقِيرِ والاحْتِرامِ. فيقُولُ تعالى للْمُؤمِنين: لا تُسْرعُوا في القضاءِ في أمْرٍ قبْل أن يقْضِي لكُم فِيهِ اللهُ ورسُولُهُ، وكُونُوا تبعًا لِقضائِهِما وأمْرِهما، ولا تتكلّمُوا في أمْرٍ قبْل أنْ يأتِي الرّسولُ على الكلامِ فِيهِ، ولا تفْعلُوا فِعْلًا قبْْل أنْ يفْعلهُ الرّسُولُ، واتّقُوا الله يا أيُّها المُؤْمِنُون، فإِنّهُ سمِيعٌ لما تقُولُون، علِيمٌ بِما تفْعلُون .. [1]

التقديم بين يدى الله ورسوله، هو السبق بقطع الأمر دونهما، وبعيدا عن الحكم الذي يقرّره الله سبحانه وتعالى لهم في كتابه، وسنة رسوله ..

وفى الآية الكريمة عتاب للمؤمنين، الذي لغطوا بما لغطوا به في صلح الحديبية، وهو في الوقت نفسه تأديب عام لهم، وإقامتهم بالمكان الذي ينبغى أن يكونوا فيه من أمر الله ورسوله .. فإذا قضى الله ورسوله أمرا، لم يكن لمؤمن بالله ورسوله خيار في هذا الأمر .. فإما المتابعة في ولاء ورضا وغبطة، وإما حلّ لعقد الإيمان الذي عقدوه مع الله ورسوله .. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ، إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا» .

فقوله تعالى: «لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» أي لا يكن لكم أمر تنفردون به دون أمر الله ورسوله، فلا تقطعوا أيها المؤمنون أمرا يقوم على خلاف ما أمر به الله ورسوله.

وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» أي استقيموا على تقوى الله، بطاعته وطاعة رسوله، وامتثال أمره، ومتابعة رسوله .. وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» أي يسمع ما تقولون، ويعلم ما لا تقولون مما تخفونه في صدوركم .. فيجازيكم بما كان منكم من حسن أو سوء .. [2]

هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر [الله] عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،في جميع أمورهم، و [أن] لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي [الشديد] عن تقديم قول غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -،على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان.

ثم أمر الله بتقواه عمومًا، وهي كما قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4492، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (13/ 433)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت