وقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} أي: لجميع الأصوات في جميع الأوقات، في خفي المواضع والجهات، {عَلِيمٌ} بالظواهر والبواطن، والسوابق واللواحق، والواجبات والمستحيلات والممكنات.
وفي ذكر الاسمين الكريمين -بعد النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقواه- حث على امتثال تلك الأوامر الحسنة، والآداب المستحسنة، وترهيب عن عدم الامتثال. [1]
يا أيها الذين آمنوا، لا تقترحوا على اللّه ورسوله اقتراحا، لا في خاصة أنفسكم، ولا في أمور الحياة من حولكم. ولا تقولوا في أمر قبل قول اللّه فيه على لسان رسوله، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول اللّه وقول رسوله.
قال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا. لو صح كذا. فكره اللّه تعالى ذلك.
وقال العوفي: نهوا أن يتكلموا بين يديه. وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بشيء حتى يقضي اللّه تعالى على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون اللّه ورسوله من شرائع دينكم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما:لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة [2] .
فهو أدب نفسي مع اللّه ورسوله. وهو منهج في التلقي والتنفيذ. وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته .. وهو منبثق من تقوى اللّه، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بأن اللّه سميع عليم .. وكل ذلك في آية واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة.
وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم فما عاد مقترح منهم يقترح على اللّه ورسوله وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يدلي به وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول اللّه وقول الرسول ..
روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه فعَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي [3] ،لاَ آلُو. قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ. [4] .
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 799)
(2) - الدر المنثور للسيوطي -موافق للمطبوع [13/ 526]
(3) - أجتهد رأيي: الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، والمراد به ها هنا: رد القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي يعرض له من قبل نفسه من غير أصل كتاب ولا سنة، وفي هذا الحديث إثبات القياس على منكريه، وإيجاب الحكم به .. جامع الأصول في أحاديث الرسول [10/ 177]
(4) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7/ 347] (22007) 22357 وتفسير ابن كثير - دار طيبة [1/ 7] وجود إسناده والمسند الجامع [15/ 345] (11533)
قال الخطيب في"الفقيه والمتفقه"1/ 189 - 190:إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث"،وقوله في البحر:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"وقوله:"إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعةُ قائمة، تحالفا وترادا البيع"،وقوله:"الدية على العاقلة"،وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غَنُوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غَنُوا عن طلب الإسناد له.
وقال ابن القيم في"إعلام الموقعين"1/ 202:فهذا حديث وإن كان عن غير مُسَمَّيْنَ، فهم أصحاب معاذ، فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو، جماعة من أصحاب معاذ، لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟!
ولا يُعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، ولا يشك أهل النقل في ذلك.