يُقْسِمُ اللهُ تعالى بِنفْسِهِ الكرِيمةِ المُقدّسةِ على أنّ أولئِك الذِين رغِبُوا عنِ التّحاكُمِ إلى الرّسُولِ، ومنْ ماثلهُمْ مِن المُنافِقِين، لا يُؤْمِنُون إيمانًا حقًّا (أيْ إيمان إِذْعانٍ وانْقِيادٍ) إلاّ إذا كمُلتْ لهُمْ ثلاثُ خِصالٍ:
-أنْ يُحكِّمُوا الرّسُول فِي القضايا التِي يخْتصِمُون فِيها، ولا يبِينُ لهُمْ فِيها وجْهُ الحقِّ.
-ألاّ يجِدُوا ضِيقًا وحرجًا مِمّا يحْكُمُ بِهِ، وأنْ تُذْعِن نُفُوسُهُمْ لِقضائِهِ، إذْعانًا تامًا دُون امِتْعاضٍ مِنْ قبُولِهِ والعملِ بِهِ، لأنّهُ الحقُّ وفِيهِ الخيْرُ.
-أنْ ينْقادُوا ويُسلِّمُوا لِذلِك الحُكْمِ، مُوقِنِين بِصِدْقِ الرّسُولِ فِي حُكْمِهِ، وبِعِصْمتِهِ عنِ الخطأ .. [1]
هو بيان للإيمان الذي يقبل من هؤلاء الضالين الذين يريدون العودة إلى الله، فإنهم لا يحسبون في المؤمنين، حتى ينزلوا على حكم الله، فيما يكون بينهم من خلاف، فذلك هو الدستور الذي لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستقيم عليه، ويتقبل حكمه فيه، بقلب مطمئن، ونفس راضية، ولو كان ذلك مخالفا لهواه، مفوّتا لمصلحة خاصة له .. أما أن يأخذ من حكم الله ما يرضيه، ويدع ما لا يستجيب لهواه، ويلتقى مع رغباته، فذلك هو النفاق مع الله، ومع الرسول! إن الإيمان هو التسليم المطلق لأحكام الله، والولاء المطلق لرسوله، وما يقضى به .. وبغير هذا لا يكون إيمان، ولا يعتدّ بدعوى من يدعيه! وفى إضافة النبي الكريم إلى الله في قوله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ» تشريف للنبى، واستدعاء له إلى الحضرة العلية ليشهد هذا القسم العظيم، وليكون شاهدا على هؤلاء الضالين المنافقين .. و «لا» النافية في قوله تعالى: «فَلا يُؤْمِنُونَ» هى توكيد للنفى السابق للقسم في قوله سبحانه: «فَلا وَرَبِّكَ» .. وقد فصل القسم بينهما. [2]
لقد أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن.
فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين. [3]
ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام. يقرره اللّه سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحدّ الإسلام، ولا تأويل لمؤول.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 558، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 827)
(3) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 185)