لهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- عن وجه الأمر، أو أراهم من نفسه أنه ماض لم أمرهم به، لم يكن لأحد منهم إلا السمع والطاعة، في إيمان ثابت ويقين مكين ..
وتذكر هنا- من باب الإشارة- ما كان من الحباب بن المنذر بن الجموح، حين رأى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وقد أنزل المسلمين منزلا في غزوة بدر، فلما لم يره الحباب بالمنزل المناسب للمسلمين، جاء إلى رسول الله يسأله قائلا: يا رسول الله .. أهو منزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتحول عنه، أم هو الرأى والمكيدة والحرب؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: «بل هو الرأى والمكيدة والحرب» .. وهنا أشار الحباب بالمنزل الذي رآه .. فأخذ النبىّ برأيه، وتحول بالمسلمين إليه .. فكان المنزل المبارك، الذي هبت على المسلمين ريح النصر منه!! فمخالفة الرسول هنا ليست لمجرد المخالفة، وإنما هى للنصح للمسلمين، أو لنصح المرء لنفسه ولدينه، حتى لا يكون في صدره حرج مما يؤمر به! وبذلك تطيب نفس المسلم، ويسلم له دينه، ويتضح له طريقه، ومن هنا يقوم بينه وبين معتقده ألفة وحب، حيث لا يدخل عليه شىء لم يرضه، ويعتقده، عن إيمان واقتناع .. [1]
لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم ودعائكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا، حتى إنه تجب إجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حال الصلاة، وليس أحد إذا قال قولا يجب على الأمة قبول قوله والعمل به، إلا الرسول، لعصمته، وكوننا مخاطبين باتباعه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فلا تقولوا:"يا محمد"عند ندائكم، أو"يا محمد بن عبد الله"كما يقول ذلك بعضكم لبعض، بل من شرفه وفضله وتميزه - صلى الله عليه وسلم - عن غيره، أن يقال: يا رسول الله، يا نبي الله.
{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} لما مدح المؤمنين بالله ورسوله، الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، توعد من لم يفعل ذلك وذهب من غير استئذان، فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي، وهو المراد بقوله: {يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} أي: يلوذون وقت تسللهم وانطلاقهم بشيء يحجبهم عن العيون، فالله يعلمهم، وسيجازيهم على ذلك أتم الجزاء، ولهذا توعدهم بقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: يذهبون إلى بعض شئونهم عن أمر الله ورسوله، فكيف بمن لم يذهب إلى شأن من شئونه؟"وإنما ترك أمر الله من دون شغل له. {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: شرك وشر {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . [2] "
فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه. وهي لفتة ضرورية. فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض .. يجب أن تبقى للمربي منزلة
(1) - التفسير القرآني للقرآن (9/ 1336)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 576)