والآية تحت المسلمين على الامتثال لأمر الرسول الكريم، والاستجابة لما يدعوهم إليه، من غير مهل، أو تردّد .. فليست دعوة الرسول للمسلمين، مثل دعوة بعضهم لبعض، حيث يكون للإنسان الخيار في أن يجيب دعوة الداعي أو لا يجيب ..
إن دعوة الرسول، هى أمر من أمر الله، ليس لمؤمن ولا مؤمنة الخيار في هذا الأمر، وإنما عليه الطاعة والامتثال .. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» (36:الأحزاب) ودعاء الرسول هنا، هو دعاء إلى الجهاد في سبيل الله، وهو أمر ملزم لكل قادر على حمل السلاح .. وفى هذا يقول الله تعالى: «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ» (120 التوبة) وقد يكون الدعاء لأمر غير الجهاد، وهو- أيّا كان- أمر ملزم لمن تلقى الأمر من الرسول، فإنه لا يأمر إلا بخير، والله سبحانه وتعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» (24:الأنفال) قوله تعالى: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» .قد، هنا، للتحقيق، والتوكيد .. والمعنى: إن الله ليعلم الذين يتسلّلون من بين المسلمين، ويخرجون في خفية، فرارا بأنفسهم، وطلبا للدعة والراحة .. فليحذر هؤلاء المتسلّلون، الذي خرجوا على أمر الرسول، ونكصوا على أعقابهم، أن تصيبهم فتنة وابتلاء في الدنيا، حيث يفتضح أمرهم، ويصبحوا في عداد المنافقين .. فإن لم يصبهم هذا في الدنيا، لم يفلتوا من عذاب الله في الآخرة .. وهو عذاب أليم، نعوذ بالله منه. وفى تعدية الفعل «يُخالِفُونَ» بحرف الجر «عَنْ» مع أنه فعل يتعدى بنفسه .. إشارة إلى أن هذا الفعل قد ضمن معنى «الخروج» ،فهو مخالفة، وخروج معا، إذ قد تكون المخالفة في الرأى، ثم يكون الامتثال بالعمل .. وهؤلاء المخالفون الذين يتوعدهم الله إنما جمعوا بين المخالفة في الرأى، والخروج عليه قولا وعملا .. وهذا يشير إلى أن مراجعة الرسول، فيما يأمر به، مما لم يستبن للمسلم منه الحجة الواضحة والدليل المقنع- هذه المراجعة، بل المعارضة أحيانا لا حرج منها، إذ كانت غايتها هى وضوح الرؤية، وانكشاف الطريق، لعينى المؤمن، حتى يكون على بينة من أمره، وحتى يمتثل ما يؤمر به، وهو على هدى وبصيرة، واقتناع ..
فدعوة الإسلام دعوة قائمة على العدل، مستندة إلى الحجة والبرهان ..
ومن ثمّ كان على المسلم أن يعرض أمور دينه كلها على عقله، وأن يلتمس الدليل المقنع، والحجة القاطعة في كل أمر .. فإذا لم يسعفه عقله بالدليل، وجب عليه امتثال ما يؤمر به، مع اليقين بأنه هو الحق، والخير .. إذ ليس العقل إلا حاسّة من الحواس العاملة في الإنسان، وشأنه شأن كل حاسّة في أن له حدودا يعمل فيها، وأنه إذا جاوز هذه الحدود بطل عمله ..
وفى سيرة الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- مع صحابته رضوان الله عليهم، كثير من المواقف، التي يلقى فيها الصحابة رسول الله- في أدب رائع واحترام عظيم- معترضين أو مخالفين، حتى إذا كشف